تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٣٥ - خلافه المنتصر محمد بن جعفر
المتوكل اسمعه و احفظه قبل انصرافه، و وثب به، فانصرف على غضب، و انصرفنا معه، فلما صار الى داره ارسل الى ندمائه و خاصته- و قد كان واعد الاتراك على قتل المتوكل قبل انصرافه إذا ثمل من النبيذ- قال: فلم البث ان جاءني الرسول: ان احضر فقد جاءت رسل امير المؤمنين الى الأمير، و هو على الركوب، فوقع في نفسي ما كان دار بيننا انهم على اغتيال المنتصر، و انه انما يدعى لذلك، فركبت في سلاح و عده، و صرت الى باب الأمير، فإذا هم يموجون، و إذا واجن قد جاءه فاخبره انه قد فرغ من امره، فركب فلحقته في بعض الطريق و انا مرعوب، فراى ما بي، فقال: ليس عليك! ان امير المؤمنين قد شرق بقدح شربه بعد انصرافنا، فمات (رحمه الله).
فاكبرت ذلك، و شق على، و مضينا و احمد بن الخصيب و جماعه من القواد معنا حتى دخلنا الحير، و تتابعت الاخبار بقتل المتوكل، فأخذت الأبواب، و وكل بها، و قلت: يا امير المؤمنين، و سلمت عليه بالخلافة، و قلت:
لا ينبغى ان نفارقك لموضع الشفقة عليك من مواليك في هذا الوقت، قال:
اجل، فكن أنت من ورائي و سليمان الرومي و القى منديل، فجلس عليه، و أحطنا به، و حضر احمد بن الخصيب و كاتبه سعيد بن حميد لاخذ البيعه.
فذكر عن سعيد بن حميد ان احمد بن الخصيب، قال له: ويلك يا سعيد! معك كلمتان او ثلاث تأخذ بها البيعه، قلت: نعم، و كلمات و عملت كتاب البيعه، و أخذتها على من حضر و كل من جاء حتى جاء سعيد الكبير، فأرسله الى المؤيد، و قال لسعيد الصغير: امض أنت الى المعتز حتى تحضره، قال سعيد الصغير: فقلت: اما ما دمت يا امير المؤمنين في قله ممن معك فلا ابرح و الله من وراء ظهرك، حتى يجتمع الناس.
قال احمد بن الخصيب: هاهنا من يكفيك، فامض، فقلت: لا امضى حتى يجتمع من يكفى، فانى الساعة اولى به منك! فلما كثر القواد، و بايعوا، و مضيت و انا آيس من نفسي، و معى غلامان، فلما صرت الى باب ابى نوح،