تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٦ - ذكر الخبر عن سبب فعل صاحب الروم بالمسلمين ما فعل من ذلك
ذكر الخبر عن سبب فعل صاحب الروم بالمسلمين ما فعل من ذلك:
ذكر ان السبب في ذلك كان ما لحق بابك من تضييق الافشين عليه و اشرافه على الهلاك، و قهر الافشين اياه، فلما اشرف على الهلاك، و ايقن بالضعف من نفسه عن حربه، كتب الى ملك الروم توفيل بن ميخائيل بن جورجس، يعلمه ان ملك العرب قد وجه عساكره و مقاتلته اليه حتى وجه خياطه- يعنى جعفر بن دينار- و طباخه- يعنى ايتاخ- و لم يبق على بابه احد، فان اردت الخروج اليه فاعلم انه ليس في وجهك احد يمنعك، طمعا منه بكتابه ذلك اليه في ان ملك الروم ان تحرك انكشف عنه بعض ما هو فيه بصرف المعتصم بعض من بازائه من جيوشه الى ملك الروم، و اشتغاله به عنه.
فذكر ان توفيل خرج في مائه الف- و قيل اكثر- فيهم من الجند نيف و سبعون ألفا، و بقيتهم اتباع حتى صار الى زبطره، و معه من المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن ابراهيم بن مصعب جماعه رئيسهم بارسيس و كان ملك الروم قد فرض لهم، و زوجهم و صيرهم مقاتله يستعين بهم في أهم أموره اليه، فلما دخل ملك الروم زبطره و قتل الرجال الذين فيها، و سبى الذراري و النساء التي فيها و أحرقها، بلغ النفير- فيما ذكر- الى سامرا، و خرج اهل ثغور الشام و الجزيرة و اهل الجزيرة الا من لم يكن عنده دابه و لا سلاح، و استعظم المعتصم ذلك.
فذكر انه لما انتهى اليه الخبر بذلك صاح في قصره النفير، ثم ركب دابته و سمط خلفه شكالا و سكه حديد و حقيبه، فلم يستقم له ان يخرج الا بعد التعبئة، فجلس- فيما ذكر- في دار العامه، و قد احضر من اهل مدينه السلام قاضيها عبد الرحمن بن إسحاق و شعيب بن سهل، و معهما ثلاثمائة و ثمانية و عشرون رجلا من اهل العدالة، فاشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثا لولده، و ثلثا لله، و ثلثا لمواليه ثم عسكر بغربي دجلة، و ذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الاولى