تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٤٥ - خبر دخول الموفق مدينه صاحب الزنج و تخريب داره
عسكر الخبيث و مضايق طرق مدينته و المعاقل التي أعدها للهرب إليها على ما ليس عليه غيرهم، فهم احرياء ان يمحضوه نصيحتهم، و يجتهدوا في الولوج على الخبيث، و التوغل اليه في حصونه، حتى يمكنهم الله منه و من اشياعه، فإذا فعلوا ذلك فلهم الاحسان و المزيد و ان من قصر منهم استدعى من سلطانه اسقاط حاله و تصغير منزلته، و وضع مرتبته فارتفعت أصواتهم جميعا بالدعاء للموفق و الاقرار بإحسانه، و بما هم عليه من صحه الضمائر في السمع و الطاعة و الجد في مجاهده عدوه، و بذل دمائهم و مهجهم في كل ما يقر بهم منه، و ان ما دعاهم اليه قد قوى نيتهم، و دلهم على ثقته بهم و احلاله إياهم محل اوليائه، و سألوه ان يفردهم بناحيه يحاربون فيها، فيظهر من حسن نياتهم و نكايتهم في العدو ما يعرف به اخلاصهم و تورعهم عما كانوا عليه من جهلهم فأجابهم الموفق الى ما سألوا، و عرفهم حسن موقع ما ظهر له من طاعتهم، و خرجوا من عنده مبتهجين بما أجيبوا به من حسن القول و جميل الوعد.
خبر دخول الموفق مدينه صاحب الزنج و تخريب داره
و في ذي القعده من هذه السنه دخل الموفق مدينه الفاسق بالجانب الشرقى من نهر ابى الخصيب، فخرب داره، و انتهب ما كان فيها.
ذكر الخبر عن هذه الوقعه:
ذكر ان أبا احمد لما عزم على الهجوم على الفاسق في مدينته بالجانب الشرقى من نهر ابى الخصيب، امر بجمع السفن و المعابر من دجلة و البطيحة و نواحيها ليضيفها الى ما في عسكره، إذ كان ما في عسكره مقصرا عن الجيش لكثرته، و احصى ما في الشذا و السميريات و الرقيات التي كانت تعبر فيها الخيل، فكانوا زهاء عشره آلاف ملاح، ممن يجرى عليه الرزق من بيت المال مشاهره، سوى سفن اهل العسكر التي يحمل فيها الميرة، و يركبها الناس في حوائجهم، و سوى ما كان لكل قائد و من يحضر من اصحابه من