تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٣٤ - ذكر الخبر عن حاله و حال اصحابه و ما آل اليه امرهم عند انتقاله من الجانب الغربي
الكرنبائى الى النهر المعروف بجوى كور، لأنه كان في هذا الموضع جل منازل اصحابه و مساكنهم، و كان من حد جوى كور الى نهر الغربي بساتين و مواضع قد أخلوها، و السور و الخندق محيطان بها، و كانت الحرب إذا وقعت في هذا الموضع قصدوا من موضعهم اليه للمحاماه عنه و المنع منه، فراى الموفق عند ذلك ان يخرب باقى السور الى نهر الغربي، ففعل ذلك بعد حرب طويله في مده بعيده.
و كان الفاسق في الجانب الشرقى من نهر الغربي في عسكر فيه جمع من الزنج و غيرهم متحصنين بسور منيع و خنادق، و هم اجلد اصحاب الخبيث و شجعانهم، فكانوا يحامون عما قرب من سور نهر الغربي، و كانوا يخرجون في ظهور اصحاب الموفق في وقت الحرب على جوى كور و ما يليه، فامر الموفق بقصد هذا الموضع و محاربه من فيه و هدم سوره و ازاله المتحصنين به، فتقدم عند ذلك الى ابى العباس و عده من قواد غلمانه و مواليه في التأهب لذلك، ففعلوا ما أمروا به، و صار الموفق بمن اعده الى نهر الغربي، و امر بالشذا فنظمت من حد النهر المعروف بجوى كور الى الموضع المعروف بالدباسين، و خرج المقاتله على جنبتي نهر الغربي، و وضعت السلاليم على السور.
و قد كانت لهم عليه عده عرادات، و نشبت الحرب، و دامت مذ أول النهار الى بعد الظهر، و هدم من السور مواضع، و احرق ما كان عليه من العرادات، و تحاجز الفريقان، و ليس لأحدهما فضل على صاحبه الا ما وصل اليه اصحاب الموفق من هذه المواضع التي هدموها و احراق العرادات، و نال الفريقين من الم الجراح امر غليظ موجع.
فانصرف الموفق و جميع اصحابه الى الموفقيه، فامر بمداواه الجرحى، و وصل كل امرئ على قدر الجراح التي اصابته، و على ذلك كان اجرى التدبير في جميع وقائعه منذ أول محاربته الفاسق الى ان قتله الله.
و اقام الموفق بعد هذه الوقعه مده، ثم راى معاوده هذا الموضع و التشاغل به دون المواضع، لما راى من حصانته و شجاعة من فيه و صبرهم، و انه لا يتهيأ