تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦١٧ - ذكر خبر اصابه الموفق
و يزيد في عنايتهم و مجاهدتهم، ففعل ذلك، و اتصلت الحرب، و غلظت على الفريقين، و كثر القتلى و الجراح في الحزبين كليهما، فأقام الموفق أياما يغادى الفسقه و يراوحهم، فكانوا لا يفترون من الحرب في يوم من الأيام، و كان اصحاب ابى احمد لا يستطيعون الولوج على الخبثه لقنطرتين كانتا على نهر منكى كان الزنج يسلكونهما في وقت استعار الحرب، فينتهون منهما الى طريق يخرجهم في ظهور اصحاب ابى احمد، فينالون منهم، و يحجزونهم عن استتمام ما يحاولون من هدم السور، فراى الموفق اعمال الحيله في هدم هاتين القنطرتين ليمنع الفسقه عن الطريق الذى كانوا يصيرون منه الى استدبار اصحابه في وقت احتدام الحرب، فامر قوادا من قواد غلمانه بقصد هاتين القنطرتين، و ان يختلوا الزنج، و ينتهزوا الفرصة في غفلتهم عن حراستهما، و تقدم اليهم في ان يعدوا لهما من الفؤوس و المناشير و الآلات التي يحتاج إليها لقطعهما ما يكون عونا لهم على الاسراع فيما يقصدون له من ذلك.
فانتهى الغلمان الى ما أمروا به، و صاروا الى نهر منكى وقت نصف النهار، فبرز لهم الزنج، فبادروا و تسرعوا، فكان ممن تسرع اليهم ابو النداء في جماعه من اصحابه يزيدون على الخمسمائة، و نشبت الحرب بين اصحاب الموفق و الزنج، فاقتتلوا صدر النهار، ثم ظهر غلمان ابى احمد على الفسقه فكشفوهم عن القنطرتين، فأصاب المعروف بابى النداء سهم في صدره وصل الى قلبه فصرعه، و حامى اصابه على جيفته فاحتملوها، و ولوا منهزمين، و تمكن قواد غلمان الموفق من قطع القنطرتين، فقطعوهما و اخرجوهما الى دجلة، و حملوا خشبهما الى ابى احمد، و انصرفوا على حال سلامه، و أخبروا الموفق بقتل ابى النداء و قطع القنطرتين، فعظم سروره و سرور اهل العسكر بذلك، و امر لرامى ابى النداء بصله وافرة.
و الح ابو احمد على الخبيث و اشياعه بالحرب، و هدم من السور ما امكنهم به الولوج عليهم، فشغلوهم بالحرب في مدينتهم عن المدافعة عن سورهم، فاسرع