تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٢٢ - ذكر خبر المدائن في هذه الفتنة
بالقطيعة واسع يحتمل العسكر، فأقام فيه يومه، ثم عزم على الرحله منه الى قرب الأنبار، فاشار عليه رشيد و القواد ان ينزل عسكره بهذا الموضع لسعته و حصانته، و يسير هو و قواده في خيل جريدة، فان كان الأمر له كان قادرا ان ينقل عسكره، و ان كان عليه انحاز الى عسكره و راجع عدوه، فلم يقبل الرأي، و حملهم على المسير من موضعهم، فساروا بين الموضعين فرسخان او نحوهما فلما بلغوا الموضع الذى اراد الحسين النزول فيه، امر الناس بالنزول، و كان جواسيس الاتراك في عسكر الحسين، فساروا اليهم، و اعلموهم رحله الحسين، و ضيق العسكر بالموضع الذى نزل فيه، فوافوهم و الناس يحطون اثقالهم، فسار اهل العسكر، و نادوا السلاح، فصافوهم، فكانت بينهم قتلى من الفريقين، و حمل اصحاب الحسين عليهم فكشفوهم كشفا قبيحا، و قتلوا منهم مقتله عظيمه، و غرق منهم خلق كثير في الفرات و كان الاتراك قد كمنوا قوما، فخرج الكمين عند ذلك على بقية العسكر، فلم يكن لهم ملجأ الا الفرات و غرق من اصحاب الحسين خلق كثير، و قتل جماعه و اسر من الرجاله جماعه، و اما الفرسان فضربوا دوابهم هرابا لا يلوون على شيء، و القواد ينادونهم يسالونهم الرجعة، فلم يرجع منهم احد، و ابلى محمد بن رجاء و رشيد يومئذ بلاء حسنا، و لم يكن لمن انهزم معقل دون الياسرية على باب بغداد، فلم يملك القواد امور اصحابهم، فأشفقوا حينئذ على انفسهم، فانثنوا راجعين وراءهم، يحمونهم من ادبارهم ان يتبعوا، و حوى الاتراك جميع عسكر الحسين بما فيه من المضارب و اثاث الجند و تجارات اهل السوق، و كان معه في السفن سلاح سلم، لان الملاحين حرزوا سفنهم، فسلم ما كان معهم من السلاح و من تجارات التجار.
و ذكر عن ابن زنبور كاتب الحسين انه أخذ للحسين اثنا عشر صندوقا فيها كسوه و مال من مال السلطان مبلغه ثمانية آلاف دينار، و نحو من اربعه آلاف دينار لنفسه، و نحو من مائه بغل، و انتهب فروض الحسين مضارب الحسين و اصحابه، و طاروا مع من طار، فوافوا الياسرية، و كان اكثر