تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٦٥ - ذكر الخبر عن هرب محمد بن البعيث
المتوكل حمدويه بن على بن الفضل السعدي اذربيجان، و وجهه من سامرا على البريد، فلما صار إليهما جمع الجند و الشاكريه و من استجاب له، فصار في عشره آلاف، فزحف الى ابن البعيث، فألجأه الى مدينه مرند- و هي مدينه استدارتها فرسخان و في داخلها بساتين كثيره، و من خارجها كما تدور شجر الا في موضع أبوابها- و قد جمع فيها ابن البعيث آله الحصار، و فيها عيون ماء، فلما طالت مدته، وجه المتوكل زيرك التركى في مائتي الف فارس من الاتراك، فلم يصنع شيئا، فوجه اليه المتوكل عمرو بن سيسل بن كال في تسعمائة من الشاكريه، فلم يغن شيئا، فوجه اليه بغا الشرابي في اربعه آلاف ما بين تركي و شاكرى و مغربى، و كان حمدويه بن على و عمر بن سيسل و زيرك زحفوا الى مدينه مرند، و قطعوا ما حولها من الشجر، فقطعوا نحوا من مائه الف شجره و غير ذلك من شجر الغياض، و نصبوا عليها عشرين منجنيقا، و بنوا بحذاء المدينة ما يستكنون فيه، و نصب عليهم ابن البعيث من المجانيق مثل ذلك، و كان من معه من علوج رساتيقه يرمون بالمقاليع، فكان الرجل لا يقدر على الدنو من سور المدينة، فقتل من أولياء السلطان في حربه في ثمانية اشهر نحو من مائه رجل، و جرح نحو من أربعمائة، و قتل و جرح من اصحابه مثل ذلك.
و كان حمدويه و عمرو و زيرك يغادونه القتال و يراوحونه، و كان السور من قبل المدينة ذليلا، و من القرار نحوا من عشرين ذراعا، و كانت الجماعه من اصحاب ابن البعيث يتدلون بالحبال معهم الرماح فيقاتلون، فإذا حمل عليهم من اصحاب السلطان لجئوا الى الحائط، و كانوا ربما فتحوا بابا يقال له باب الماء، فيخرج منه العده يقاتلون ثم يرجعون.
و لما قرب بغا الشرابي من مرند بعث- فيما ذكر- عيسى بن الشيخ بن السليل الشيبانى، و معه أمانات لوجوه اصحاب ابن البعيث، و لابن البعيث ان ينزلوا و ينزل على حكم امير المؤمنين، و الا قاتلهم، فان ظفر بهم لم يستبق منهم أحدا، و من نزل فله الامان، و كان عامه من مع ابن البعيث من ربيعه من قوم عيسى بن الشيخ، فنزل منهم قوم كثير بالحبال، و نزل ختن ابن البعيث