تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٥ - ذكر خبر فتح البذ مدينه بابك
الافشين حتى دخل البذ، فوقف في القرية، و امر بهدم القصور، و وجه الرجاله يطوفون في اطراف القرية، فلم يجدوا فيها أحدا من العلوج، فاصعد الكلغرية، فهدموا القصور و أحرقوها، فعل ذلك ثلاثة ايام حتى احرق خزائنه و قصوره، و لم يدع فيها بيتا و لا قصرا الا احرقه و هدمه، ثم رجع و علم ان بابك قد افلت في بعض اصحابه، فكتب الافشين الى ملوك أرمينية و بطارقتها يعلمهم ان بابك قد هرب و عده معه، و صار الى واد، و خرج منه الى ناحيه أرمينية، و هو مار بكم، و امرهم ان يحفظ كل واحد منهم ناحيته، و لا يسلكها احد الا اخذوه حتى يعرفوه فجاء الجواسيس الى الافشين، فاخبروه بموضعه في الوادى، و كان واديا كثير العشب و الشجر، طرفه بإرمينية و طرفه الآخر باذربيجان، و لم يمكن الخيل ان تنزل اليه، و لا يرى من يستخفى فيه لكثرة شجره و مياهه، انما كانت غيضه.
واحده، و يسمى هذا الوادى غيضه فوجه الافشين الى كل موضع يعلم ان منه طريقا ينحدر منه الى تلك الغيضة، او يمكن بابك ان يخرج من ذلك الطريق، فصير على كل طريق و موضع من هذه المواضع عسكرا فيه ما بين أربعمائة الى خمسمائة مقاتل، و وجه معهم الكوهبانية ليقفوهم على الطريق، و امرهم بحراسة الطريق في الليل لئلا يخرج منه احد.
و كان يوجه الى كل عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره، و كانت هذه العساكر خمسه عشر عسكرا، فكانوا كذلك حتى ورد كتاب امير المؤمنين المعتصم بالذهب مختوما، فيه أمان لبابك فدعا الافشين من كان استامن اليه من اصحاب بابك، و فيهم ابن له كبير، اكبر ولده، فقال له و للاسرى: هذا ما لم أكن ارجوه من امير المؤمنين، و لا اطمع له فيه ان يكتب اليه و هو في هذه الحال بأمان، فمن يأخذه منكم و يذهب به اليه؟ فلم يجسر على ذلك احد منهم، فقال بعضهم: ايها الأمير، ما فينا احد يجترئ ان يلقاه بهذا، فقال له الافشين: ويحك! انه يفرح بهذا، قالوا: اصلح الله الأمير! نحن اعرف بهذا منك، قال: فلا بد لكم من ان تهبوا لي انفسكم، و توصلوا