تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٦ - ذكر الخبر عن وقعه الافشين مع بابك في هذه السنه
خدعه ليس من هذا شيء، فقال بعض الكوهبانيين: ان هذا راس جبل اعرفه، من صعد الى راسه نظر الى عسكر الافشين فصعد بغا و الفضل بن كاوس و جماعه منهم ممن نشط، فاشرفوا على الموضع، فلم يروا فيه عسكر الافشين فتيقنوا انه قد مضى، و تشاوروا، فرأوا ان ينصرف الناس راجعين في صدر النهار قبل ان يجنهم الليل، فامر بغا داود سياه بالانصراف، فتقدم داود و جد في السير، و لم يقصد الطريق الذى كان دخل منه الى هشتاد سر مخافه المضايق و العقاب، و أخذ الطريق الذى كان دخل منه في المره الاولى، يدور حول هشتاد سر، و ليس فيه مضيق الا في موضع واحد فسار بالناس، و بعث بالرجاله، فطرحوا رماحهم و أسلحتهم في الطريق، و دخلتهم وحشه شديده و رعب، و صار بغا و الفضل بن كاوس و جماعه القواد في الساقه، و ظهرت طلائع بابك، فكلما نزل هؤلاء جبلا صعدته طلائع بابك، يتراءون لهم مره و يغيبون عنهم مره، و هم في ذلك يقفون آثارهم، و هم قدر عشره فرسان، حتى كان بين الصلاتين: الظهر و العصر، فنزل بغا ليتوضأ و يصلى، فتدانت منهم طلائع بابك، فبرزوا لهم، و صلى بغا، و وقف في وجوههم، فوقفوا حين راوه، فتخوف بغا على عسكره ان يواقعه الطلائع من ناحيه، و يدور عليهم في بعض الجبال و المضايق.
قوم آخرون، فشاور من حضره و قال: لست آمن ان يكونوا جعلوا هؤلاء مشغله، يحبسوننا عن المسير، و يقدمون اصحابهم ليأخذوا على أصحابنا المضايق فقال له الفضل بن كاوس: ليس هؤلاء اصحاب نهار، و انما هم اصحاب ليل، و انما يتخوف على أصحابنا من الليل، فوجه الى داود سياه ليسرع السير و لا ينزل، و لو صار الى نصف الليل حتى يجاوز المضيق، و نقف نحن هاهنا، فان هؤلاء ما داموا يروننا في وجوههم لا يسيرون، فنماطلهم و ندافعهم قليلا قليلا حتى تجيء الظلمه، فإذا جاءت الظلمه لم يعرفوا لنا موضعا، و أصحابنا يسيرون فينفذون أولا فأولا، فان أخذ علينا نحن المضيق تخلصنا من طريق هشتاد سر او من طريق آخر