تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٩٨ - وقوع الفتنة ببغداد بين أهلها و بين جند السلطان
بغى على اهل دينه، و سبق و عده بالنصر لمن بغى عليه من انصار حقه.
و انزل بذلك كتابه العزيز، موعظه للباغين، فان اقلعوا كانت التذكره نافعه لهم، و الحجه عند الله لمن قام بها فيهم، ثم اوجب بعد التذكره و الاصرار جهادهم، فقال فيما قدم من وعده، و ابان من برهانه: «ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ»، وعدا من الله حقا نهى به اعداءه عن معصيته، و ثبت به أولياءه على سبيله، و الله لا يخلف الميعاد و لله عند امير المؤمنين في رئيس دعوته، و سيف دولته، و المحامى عن سلطانه و محل ثقته، و المتقدم في طاعته و نصيحته لأوليائه، و الذاب عن حقه، و القائم بمجاهده اعدائه، محمد بن عبد الله مولى امير المؤمنين، نعمه يرغب الى الله في إتمامها، و التوفيق لشكرها، و التطول بمن اراد المزيد فيها، فان الله قدر لآبائه القيام بالدعوة الاولى لآباء امير المؤمنين، ثم جمع له آثارهم بقيامه بالدولة الثانيه، حين حاول أعداء الله ان يطمسوا معالم دينه و يعفوها، فقام بحق الله و حق خليفته، محاميا عنها، و مراميا من ورائها، متناولا للبعيد برايه و نظره، مباشرا للقريب باشرافه و تفقده، باذلا نفسه في كل ما قربه من الله، و اوجب له الزلفه عنده، و سيمتع الله امير المؤمنين به وليا، مكانفا على الحق، و ناصرا موازرا على الخير، و ظهيرا مجاهدا لعدو الدين و قد علمتم ما كان كتاب امير المؤمنين تقدم به إليكم فيما احدثته الفرقة الضالة عن سبيل ربها، المفارقه لعصمه دينها، الكافرة لنعم الله و نعم خليفته عندها، المباينة لجماعه الامه التي الف الله بخلافته نظامها، المحاولة لتشتيت الكلمه بعد اجتماعها، الناكثة لبيعته، الخالعه لربقه الاسلام من أعناقها، الموالي الاتراك، و ما صارت اليه من نصر الغلام المعروف بابى عبد الله بن المتوكل لإقامتها عند مصير امير المؤمنين الى مدينه السلام، محل سلطانه، و مجتمع انصاره و أبناء انصار آبائه، و ما قابل به امير المؤمنين خيانتهم و آثره من الاناه في امرهم