تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٩ - ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الفضل بن مروان
حسان الأنباري، فلم يزل كذلك حتى بلغ المعتصم الحال التي بلغها، و الفضل كاتبه، ثم خرج معه الى معسكر المأمون، ثم خرج معه الى مصر، فاحتوى على اموال مصر، ثم قدم الفضل قبل موت المأمون بغداد، ينفذ امور المعتصم، و يكتب على لسانه بما أحب حتى قدم المعتصم خليفه، فصار الفضل صاحب الخلافه، و صارت الدواوين كلها تحت يديه و كنز الأموال، و اقبل ابو إسحاق حين دخل بغداد يأمره بإعطاء المغنى و الملهى، فلا ينفذ الفضل ذلك، فثقل على ابى إسحاق.
فحدثني ابراهيم بن جهرويه ان ابراهيم المعروف بالهفتى- و كان مضحكا- امر له المعتصم بمال، و تقدم الى الفضل بن مروان في اعطائه ذلك، فلم يعطه الفضل ما امر به المعتصم، فبينا الهفتى يوما عند المعتصم، بعد ما بنيت له داره التي ببغداد، و اتخذ له فيها بستان، قام المعتصم يتمشى في البستان ينظر اليه و الى ما فيه من انواع الرياحين و الغروس، و معه الهفتى، و كان الهفتى يصحب المعتصم قبل ان تفضى الخلافه اليه، فيقول فيما يداعبه: و الله لا تفلح ابدا! قال:
و كان الهفتى رجلا مربوعا ذا كدنه، و المعتصم رجلا معرقا خفيف اللحم، فجعل المعتصم يسبق الهفتى في المشى، فإذا تقدمه و لم ير الهفتى معه التفت اليه، فقال له: ما لك لا تمشى! يستعجله المعتصم في المشى ليلحق به، فلما كثر ذلك من امر المعتصم على الهفتى، قال له الهفتى، مداعبا له: كنت اصلحك الله، أراني اماشى خليفه، و لم أكن أراني اماشى فيجا، و الله لا افلحت! فضحك منها المعتصم، و قال: ويلك! هل بقي من الفلاح شيء لم ادركه! ا بعد الخلافه تقول هذا لي! فقال له الهفتى: ا تحسب انك قد افلحت الان! انما لك من الخلافه الاسم، و الله ما يجاوز امرك أذنيك، و انما الخليفة الفضل بن مروان، الذى يأمر فينفذ امره من ساعته، فقال له المعتصم:
و اى امر لي لا ينفذ! فقال له: الهفتى: امرت لي بكذا و كذا منذ شهرين، فما اعطيت مما امرت به منذ ذاك حبه!