تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢١ - ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الفضل بن مروان
و نهيه، و ارادته و حكمه، فكانت هذه صفته و مقداره، حتى حملته الدالة، و حركته الحرمه على خلافه في بعض ما كان يأمره به، و منعه ما كان يحتاج اليه من الأموال في مهم أموره، فذكر عن ابن ابى داود انه قال: كنت احضر مجلس المعتصم، فكثيرا ما كنت اسمعه يقول للفضل بن مروان: احمل الى كذا و كذا من المال، فيقول: ما عندي، فيقول: فاحتلها من وجه من الوجوه، فيقول: و من اين احتالها! و من يعطيني هذا القدر من المال؟ و عند من اجده؟ فكان ذلك يسوءه و اعرفه في وجهه، فلما كثر هذا من فعله ركبت اليه يوما فقلت له مستخليا به: يا أبا العباس، ان الناس يدخلون بيني و بينك بما اكره و تكره، و أنت امرؤ قد عرفت اخلاقك، و قد عرفها الداخلون بيننا، فإذا حركت فيك بحق فاجعله باطلا، و على ذلك فما ادع نصيحتك و أداء ما يجب على في الحق لك، و قد أراك كثيرا ما ترد على امير المؤمنين اجوبه غليظه ترمضه، و تقدح في قلبه، و السلطان لا يحتمل هذا لابنه، لا سيما إذا كثر ذلك و غلظ قال: و ما ذاك يا أبا عبد الله؟ قلت: اسمعه كثيرا ما يقول لك: نحتاج الى كذا من المال لنصرفه في وجه كذا، فتقول: و من يعطيني هذا! و هذا ما لا يحتمله الخلفاء، قال: فما اصنع إذا طلب منى ما ليس عندي؟ قلت:
تصنع ان تقول: يا امير المؤمنين، نحتال في ذاك بحيله، فتدفع عنك أياما الى ان يتهيأ، و تحمل اليه بعض ما يطلب و تسوفه بالباقي، قال: نعم افعل و اصير الى ما اشرت به قال: فو الله لكأني كنت اغريه بالمنع، فكان إذا عاوده بمثل ذلك من القول، عاد الى مثل ما يكره من الجواب قال: فلما كثر ذلك عليه، دخل يوما اليه و بين يديه حزمه نرجس غض، فأخذها المعتصم فهزها، ثم قال: حياك الله يا أبا العباس! فأخذها الفضل بيمينه، و سل