تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٠٨ - ذكر خبر استيلاء مفلح على طبرستان ثم انصرافه عنها
اصلح الله الأمير! فإذا كان الأمير عزم على تركنا، و الانصراف عنا، فما معنى أخذنا بالخراج لسنه لم نبتدئ بعمارتها، و اكثر غله سنه خمس و خمسين و مائتين، التي قد أخذ الأمير خراجها في الصحارى لا يمكننا الوصول إليها ان رحل الأمير عنا! فلم يلتفت الى شيء مما وصفوه له، و سألوه اياه.
و اتصل خبر انصرافه بالمهتدى، فكتب اليه في ذلك كتبا كثيره، لم تؤثر أثرا فلما انتهى اليه قفول موسى من الري، و لم تغن الكتب شيئا وجه رجلين من بنى هاشم، يقال لأحدهما عبد الصمد بن موسى، و يعرف الآخر بابى عيسى يحيى بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن على بن عبد الله بن عباس، و حملا رساله الى موسى و الى من ضم عسكره من الموالي، يصدقهم فيها عن الحال بالحضرة و ضيق الأموال بها، و ما يحاذر من ذهاب ما يخلفونه وراء ظهورهم، و غلبه الطالبيين عليه و اتساع آثارهم الى ناحيه الجبل فشخص بذلك الهاشميان في جماعه من الموالي و اتباعهم من الديلم، و اقبل موسى و من معه، و صالح بن وصيف في ذلك يعظم على المهتدى انصرافه، و ينسبه الى المعصية و الخلاف، و يبتهل عليه في اكثر ذلك، و يبرأ الى الله من فعله.
فذكر ان كتاب صاحب البريد بهمذان لما ورد على المهتدى بفصول موسى عنها، رفع المهتدى يديه الى السماء، ثم قال بعد ان حمد الله و اثنى عليه:
اللهم انى ابرا إليك من فعل موسى بن بغا و اخلاله بالثغر و اباحته العدو، فانى قد اعذرت اليه فيما بيني و بينه اللهم تول كيد من كايد المسلمين، اللهم انصر جيوش المسلمين حيث كانوا، اللهم انى شاخص بنيتي و اختياري الى حيث نكب المسلمون فيه، ناصرا لهم و دافعا عنهم اللهم فأجرني بنيتي إذ عدمت صالح الأعوان! ثم انحدرت دموعه يبكى.
و ذكر عن بعض من حضر المهتدى في بعض مجالسه التي يقول فيها هذا القول، و حضره سليمان بن وهب، فقال: ا يأمرني امير المؤمنين ان اكتب الى موسى بما اسمع منه، فقال له: نعم، اكتب بما تسمع منى، و ان امكنك ان تنقشه في الصخر فافعل فلقيه الهاشميان في الطريق و لم يغنيا شيئا،