تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٣٣ - ذكر الخبر عن حاله و حال اصحابه و ما آل اليه امرهم عند انتقاله من الجانب الغربي
الهمدانى متصله بالجسر الاول المعقود على نهر ابى الخصيب، كان الخبيث سماها المباركه، و اعلموه انه ان تهيأ له إحراقها لم يبق لهم سوق، و خرج عنهم تجارهم الذين بهم قوامهم، و استوحشوا لذلك و اضطروا الى الخروج في الامان.
فعزم الموفق عند ذلك على قصد هذه السوق و ما يليها بالجيوش من ثلاثة اوجه، فامر أبا العباس بقصد جانب من هذه السوق مما يلى الجسر الاول، و امر راشدا مولاه بقصدها مما يلى دار الهمدانى، و امر قوادا من قواد غلمانه السودان بالقصد لها من نهر ابى شاكر، ففعل كل فريق ما امر به، و نذر الزنج بمسير الجيوش اليهم، فنهضوا في وجوههم، و استعرت الحرب و غلظت، فامد الفاجر اصحابه و كان المهلبى و انكلاى و سليمان بن جامع في جميع اصحابهم بعد ان تكاملوا و وافتهم امداد الخبيث بهذه السوق يحامون عنها، و يحاربون فيها أشد حرب. و قد كان اصحاب الموفق في أول خروجهم الى هذا الموضع و صلوا الى طرف من اطراف هذه السوق، فاضرموه نارا فاحترق، فاتصلت النار باكثر السوق، فكان الفريقان يتحاربون و النار محيطة بهم، و لقد كان ما علا من ظلال يحترق فيقع على رءوس المقاتله، فربما احرق بعضهم، و كانت هذه حالهم الى مغيب الشمس و اقبال الليل ثم تحاجزوا، و انصرف الموفق و اصحابه الى سفنهم، و رجع الفسقه الى طاغيتهم بعد ان احترق السوق، و جلا عنها أهلها و من كان فيها من تجار عسكر الخائن و سوقتهم، فصاروا في اعلى مدينته بما تخلصوا به من أموالهم و امتعتهم و قد كانوا تقدموا في نقل جل تجارتهم و بضائعهم من هذه السوق خوفا من مثل الذى نالهم في اليوم الذى اظفر الله فيه الموفق بدار الهمدانى و هيأ له احراق ما احرق حولها.
ثم ان الخبيث فعل في الجانب الشرقى من حفر الخنادق و تعوير الطرق ما كان فعل في الجانب الغربي بعد هذه الوقعه، و احتفر خندقا عريضا من حد جوى كور الى نهر الغربي، و كان اكثر عنايته بتحصين ما بين دار