تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٠٨ - ذكر خبر إيقاع رشيق بمن اعان الزنج من تميم
الخبيث و اصحابه المير من الوجوه كلها، و انسد عليهم كل مسلك كان لهم، فأضر بهم الحصار، و اضعف ابدانهم، فكان الأسير منهم يؤسر، و المستأمن يستامن، فيسأل عن عهده بالخبز، فيعجب من ذلك، و يذكر ان عهده بالخبز مذ سنه و سنتين فلما صار اصحاب الخائن الى هذه الحال، راى الموفق ان يتابع الإيقاع بهم، ليزيدهم بذلك ضرا و جهدا، فخرج الى ابى احمد في هذا الوقت في الامان خلق كثير، و احتاج من كان مقيما في حيز الفاسق الى الحيله لقوته، فتفرقوا في القرى و الانهار النائية عن معسكرهم في طلب القوت، فتادى الخبر بذلك الى ابى احمد، فامر جماعه من قواد غلمانه السودان و عرفائهم بان يقصدوا المواضع التي يعتادها الزنج، و ان يستميلوهم و يستدعوا طاعتهم، فمن ابى الدخول منهم في ذلك قتلوه و حملوا راسه، و جعل لهم جعلا، فحرصوا و واظبوا على الغدو و الرواح، فكانوا لا يخلون في يوم من الأيام من جماعه يجلبونهم، و رءوس يأتون بها، و أسارى يأسرونهم.
قال محمد بن الحسن: قال محمد بن حماد: و لما كثر أسارى الزنج عند الموفق، امر باعتراضهم، فمن كان منهم ذا قوه و جلد و نهوض بالسلاح من عليه، و احسن اليه، و خلطه بغلمانه السودان، و عرفهم ما لهم عنده من البر و الاحسان، و من كان منهم ضعيفا لا حراك به، او شيخا فانيا لا يطيق حمل السلاح، او مجروحا جراحه قد أزمنته، امر بان يكسى ثوبين، و يوصل بدراهم، و يزود و يحمل الى عسكر الخبيث، فيلقى هناك بعد ما يؤمر بوصف ما عاين من احسان الموفق الى كل من يصير اليه، و ان ذلك رايه في جميع من يأتيه مستأمنا و ياسره منهم، فتهيأ له من ذلك ما اراد من استماله اصحاب صاحب الزنج، حتى استشعروا الميل الى ناحيته و الدخول في سلمه و طاعته، و جعل الموفق و ابنه ابو العباس يغاديان حرب الخبيثة و من معه، و يراوحانها بأنفسهما و من معهما، فيقتلان و ياسران و يجرحان، و أصاب أبا العباس في بعض تلك الوقعات سهم جرحه فبرأ منه.