تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٥ - ذكر خبر وقعه الافشين مع بابك بارشق
من خش يريد ناحيه الهيثم ليصادفه في الطريق، و لم يعلم الهيثم بمن كان معه، فرحل بمن كان معه من القافلة يريد بها النهر.
و تعبا بابك في خيله و رجاله و عساكره، و صار على طريق النهر، و هو يظن ان المال موافيه، و خرج صاحب النهر ببذرق من قبله الى الهيثم، فخرجت عليه خيل بابك، و هم لا يشكون ان المال معه، فقاتلهم صاحب النهر، فقتلوه و قتلوا من كان معه من الجند و السابلة، و أخذوا جميع ما كان معهم من المتاع و غيره، و علموا ان المال قد فاتهم، و أخذوا علمه، و أخذوا لباس اهل النهر و دراريعهم و طراداتهم و خفاتينهم فلبسوها، و تنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوي و من معه أيضا، و لا يعلمون بخروج الافشين، و جاءوا كأنهم اصحاب النهر، فلما جاءوا لم يعرفوا الموضع الذى كان يقف فيه علم صاحب النهر، فوقفوا في غير موضع صاحب النهر، و جاء الهيثم فوقف في موقفه، فأنكر ما راى، فوجه ابن عم له، فقال له: اذهب الى هذا البغيض، فقل له: لأي شيء وقوفك؟ فجاء ابن عم الهيثم، فلما راى القوم انكرهم لما دنا منهم، فرجع الى الهيثم، فقال له: ان هؤلاء القوم لست اعرفهم، فقال له الهيثم: اخزاك الله! ما اجبنك! و وجه خمسه فرسان من قبله، فلما جاءوا و قربوا من بابك، خرج من الخرمية رجلان فتلقوهما و انكروهما، و اعلموهما انهم قد عرفوهما، و رجعوا الى الهيثم ركضا، فقالوا: ان الكافر قد قتل علويه و اصحابه، و أخذوا اعلامهم و لباسهم، فرحل هيثم منصرفا، فاتى القافلة التي جاء بها معه، و امرهم ان يركضوا و يرجعوا، لئلا يؤخذوا، و وقف هو في اصحابه، يسير بهم قليلا قليلا، و يقف بهم قليلا، ليشغل الخرمية عن القافلة، و صار شبيها بالحاميه لهم، حتى وصلت القافلة الى الحصن الذى يكون فيه الهيثم- و هو ارشق- و قال لأصحابه: من يذهب منكم الى الأمير و الى ابى سعيد فيعلمهما و له عشره آلاف درهم و فرس بدل فرسه ان نفق فرسه فله مثل فرسه على مكانه؟
فتوجه رجلان من اصحابه على فرسين فارهين يركضان، و دخل الهيثم الحصن، و خرج بابك فيمن معه، فنزل بالحصن، و وضع له كرسي و جلس على شرف