تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٠٥ - ذكر غاره البجه على حرس من ارض مصر
جميع من كان يعمل في المعادن و قوم كثير من المتطوعه، فكانت عده من معه نحوا من عشرين الف انسان، بين فارس و راجل، و وجه الى القلزم، فحمل في البحر سبعه مراكب موقره بالدقيق و الزيت و التمر و السويق و الشعير، و امر قوما من اصحابه ان يلججوا بها في البحر حتى يوافوه في ساحل البحر من ارض البجه، فلم يزل محمد بن عبد الله القمي يسير في ارض البجه حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذهب، و صار الى حصونهم و قلاعهم، و خرج اليه ملكهم- و اسمه على بابا و اسم ابنه لعيس- في جيش كثير و عدد اضعاف من كان مع القمي من الناس، و كانت البجه على ابلهم و معهم الحراب و ابلهم فره تشبه بالمهارى في النجابه، فجعلوا يلتقون أياما متواليه، فيتناوشون و لا يصححون المحاربة، و جعل ملك البجه يتطارد للقمي لكي تطول الأيام طمعا في نفاد الزاد و العلوفه التي معهم، فلا يكون لهم قوه، و يموتون هزلا، فيأخذهم البجه بالأيدي.
فلما توهم عظيم البجه ان الازواد قد نفدت، اقبلت السبع المراكب التي حملها القمي حتى خرجت الى ساحل من سواحل البحر في موضع يعرف بصنجه، فوجه القمي الى هنالك جماعه من اصحابه يحمون المراكب من البجه، و فرق ما كان فيها على اصحابه، فاتسعوا في الزاد و العلوفه، فلما راى ذلك على بابا رئيس البجه قصد لمحاربتهم، و جمع لهم، و التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، و كانت الإبل التي يحاربون عليها إبلا زعره، تكثر الفزع و الرعب من كل شيء، فلما راى ذلك القمي جمع اجراس الإبل و الخيل التي كانت في عسكره كلها، فجعلها في اعناق الخيل، ثم حمل على البجه، فنفرت ابلهم لأصوات الاجراس، و اشتد رعبها، فحملتهم على الجبال و الأودية، فمزقتهم كل ممزق، و اتبعهم القمي باصحابه، فاخذهم قتلا و اسرا حتى ادركه الليل، و ذلك في أول سنه احدى و اربعين، ثم رجع الى معسكره و لم يقدر على احصاء القتلى لكثرتهم، فلما اصبح القمي وجدهم قد جمعوا جمعا من الرجاله، ثم صاروا الى موضع أمنوا فيه طلب القمي، فوافاهم القمي في