تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٣٤ - حرف حرف
الحَاءِ، و كذا في مُخْتَصَرِ المُعْجَمِ، ففِيهِ مُخَالَفَةٌ للصَّوابِ ظَاهِرَةٌ.
وَ حَرْفُ الشَّيْءِ: ناحِيَتُه، و فلانٌ على حَرْفٍ مِنْ أَمْرِهِ:
أي نَاحِيَةٍ منه؛ كأَنَّهُ يَنْتَظِرُ و يَتَوَقَّعُ، فإِنْ رأَى مِن نَاحِيَةٍ ما يُحِبُّ، و إِلاَّ مَالَ إِلَى غَيرِهَا. و قال ابنُ سِيدَه: فُلانٌ عَلى حَرْفٍ من أَمْرِه: أي نَاحِيَةٍ منه، إذا رَأَى شَيْئاً لا يُعْجِبُه عَدَلَ عنه، و في التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللََّهَ عَلىََ حَرْفٍ [١] : أيْ علَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، أي: إذا لم يَرَ ما يُحِبُّ انْقَلَبَ علَى وَجْهِه، و قيل: هُوَ أَنْ يَعْبُدَهُ علَى السَّرَّاءِ لا [٢]
الضَّرَّاءِ، قال الأَزْهَرِيُّ: كأَنَّ الخَيْرَ و الخِصْبَ نَاحِيَةٌ، و الضُّرَّ وَ الشَّرَّ و المَكْرُوهَ نَاحِيَةٌ أُخْرَى، فهما حَرْفَانِ ، و علَى العَبْدِ أَن يَعْبُدَ خَالِقَه علَى حَالَتَي السَّرَّاءِ و الضَّرَّاءِ، و مَن عَبَدَ اللََّه علَى السَّرَّاءِ وَحْدَها دُونَ أَن يعبُدَه علَى الضَّرَّاءِ يَبتَلِيهِ اللََّه بها، فقد عَبَدَهُ علَى حَرْفٍ ، و مَنْ عَبَدَهُ كَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ به الحالُ، فقد عَبَدَهُ عِبَادَةَ عَبْدٍ مُقِرٍّ بأَّن له خَالِقًا يُصَرِّفُه كيفَ شاءَ، و أَنَّه إِن امْتَحَنَه بالَّلأْوَاءِ، و أَنْعَمَ عَلَيه بالسَّرَاءِ، فهو في ذلك عادِلٌ، أَوْ مُتَفَضِّلٌ أَو على شَكٍّ، وَ هََذا قَوْلُ الزَّجَّاج فَإِنْ أَصََابَهُ خَيْرٌ أي: خِصْبٌ و كَثْرَةٌ مَالٍ، اِطْمَأَنَّ بِهِ وَ رَضِيَ بدِينِه وَ إِنْ أَصََابَتْهُ فِتْنَةٌ اخْتِبارٍ بِجَدْبٍ و قِلَّةِ مَالٍ، اِنْقَلَبَ عَلىََ وَجْهِهِ أي: رَجَعَ عن دِينِهِ إلَى الكُفْرِ و عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، أوْ عَلَى غَيْرِ طُمْأَنِينَةٍ علَى أَمْرِهِ، وَ هََذا قَوْلُ ابنِ عَرَفَةَ، أيْ: لاَ يَدْخُلُ في الدِّينِ مُتَمَكِّنًا، وَ مَرْجِعُهُ إِلَى قَوْلِ الزَّجَّاج.
و ١٤- في الحَدِيثِ: قال صلّى اللّه عَلَيه و سلّم : « نَزَلَ [٣] الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، فَاقْرَؤُوا [٤] كَمَا عُلِّمْتُمْ» . قال أبو عُبَيْدٍ: أي علَى سَبْعِ لَغَاتِ مِنْ لُغاتٍ الْعَرَبِ، قال: و لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ في الْحَرْف الْواحِدِ عَلَى سَبْعَةٍ أَوْجُهٍ، هََذا لم يُسْمَعْ به، زَادَ غيرُ أَبي عُبَيْدٍ: و إِنْ جاءَ علَى سَبْعَةٍ أو عَشَرَةٍ أو أَكْثَرَ، نَحو مَلِك يَوْمِ الدِّينِ [٥] و وَ عَبَدَاَلطََّاغُوتَ [٦] ، قال أَبو عبيد: و لََكِنِ الْمَعْنَى: هذِه اللُّغَاتُ السَّبْعُ مُتَفَرِّقَةٌ في الْقُرْآنِ، فبَعْضُه بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، و بَعْضُه بِلُغَةِ أَهْلِ اليَمَنِ، و بَعضُهُ بلُغَةِ هَوَازِنَ، و بَعضُهُ بلُغَةِ هُذَيْلٍ، وَ كذََلِكَ سائرُ اللُّغَاتِ، و مَعَانِيها في هََذا كُلِّه وَاحِدَةٌ، و مِمَّا يُبَيِّنُ ذََلِكَ ١٧- قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللََّه عنه : «إِنّي قد سمعتُ القَرَأةَ [٧] ، فوَجَدْتُهم مُتَقَارِبِينَ، فَاقْرَؤُوا كما عُلِّمْتُمْ، إِنَّما هو كقَوْلِ أَحَدِكُم: هَلُمَّ، و تَعَالَ، و أَقْبِلْ» . قال ابنُ الأَثِيرِ: و فيه أَقْوَالٌ غَيْرُ ذََلِك، هََذا أَحْسَنُهَا، و رَوَى الأَزْهَرِيُّ: أَن أَبا العباسِ النَّحْوِي-و هو وَاحِدُ عَصْرِه-قد ارْتَضَى ما ذَهَبَ إِليه أَبو عُبَيْدٍ، و اسْتَصْوَبَه، قال: و هََذِه السَّبْعَةُ الْأَحْرُفُ التي مَعْنَاها اللُّغَاتُ، غَيْرُ خَارِجَةٍ مِن الذي كُتِبَ في مَصَاحِفِ المُسْلِمين، التي اجْتَمَع عليها السَّلَفُ المَرْضِيُّونَ، و الخَلَفُ المُتَّبِعُونَ، فمَن قَرَأَ بحَرْفٍ و لا يُخالِفُ المُصْحَفَ بِزيَادَةٍ أَو نُقْصَانٍ، أو تَقْدِيمِ مُؤَخَّرٍ، أَوْ تَأْخِيرِ مُقَدَّم، و قد قَرَأَ به إِمامٌ مِن أَئِمَّةِ القُرّاءِ المُشْتَهَرِين في الأَمْصَارِ، فقد قَرَأَ بحَرْفٍ مِن الحُرُوفِ السَّبْعَةِ التي نَزَلَ القُرْآنُ بها، و مَن قَرَأَ بحَرْفٍ شَاذٍّ يُخَالِفُ المُصْحَفَ، و خَالَفَ في ذََلِك جُمْهُورَ القُرَّاءِ [٨]
المَعْرُوفِين فهو غيرُ مُصِيبٍ، و هََذا مَذْهَبُ أَهل الدِّين وَ العِلْم، الذين هم القُدْوَةُ، و مَذْهَبُ الرَّاسِخِينَ، في عِلْمِ القُرْآنِ قَدِيماً و حَدِيثاً، و إلى هََذا أَوْمَأَ[أَبو العباس النحوي و] [٩] أَبو بَكْرِ بنُ الأَنْبارِيِّ في كتاب له أَلَّفَهُ في اتِّبَاعِ ما في المُصْحَف الإمامِ، و وَافَقَهُ علَى ذََلك أَبو بكر بنُ مُجَاهِدٍ مُقْرِىءُ أَهلِ العِراق، و غيرُه من الأَثْباتِ المُتَقِنِين، قال: و لا يَجوزُ عندي غيرُ ما قالُوا، و اللََّه تعالَى يُوَفِّقُنا لِلاتِّباعِ، وَ يُجَنِّبُنَا الابْتِدَاعَ، آمينَ.
و حَرَفَ لِعِيَالِهِ، يَحْرِفُ مِن حَدِّ ضَرَبَ: أي كَسَبَ مِن هََهُنَا و هََهُنَا، مِثْل يَقْرِشُ و يَقْتَرِشُ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ.
و قال أَبو عُبَيْدَةَ: حَرَفَ الشَّيْءَ عَنْ وَجْهِهِ حَرْفاً : صَرَفَهُ و قال غيرُه: حَرَفَ عَيْنَهُ حَرْفَةً ، بالفَتْحِ: مَصْدَرٌ، و ليست لِلْمَرَّةِ: كَحَلَهَا بالمِيلِ، و أَنْشَدَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ:
[١] سورة الحج الآية ١١.
[٢] على هامش القاموس عن نسخة أخرى: لا على الضرّاء.
[٣] كذا بالأصل و اللسان و النهاية: و ضبطت بالقلم في التهذيب «نُزِّلَ» على ما لم يسم فاعله.
[٤] قوله: فاقرأوا كما علمتم، من كلام ابن مسعود، كما في التهذيب وَ اللسان و النهاية. و سيرد قوله قريباً.
[٥] سورة الفاتحة الآية ٤.
[٦] سورة المائدة الآية ٦٠.
[٧] عن النهاية و بالأصل «القراء» و في التهذيب و اللسان: القراءة.
[٨] في التهذيب: «القرأة» و الأصل كاللسان.
[٩] زيادة عن التهذيب.