بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٢١ - مراتب الحكم و ترتب استحقاق العقوبة على مخالفة الحكم الفعلي
.....
الثانية: مرتبة الانشاء و هي التي يعبر عنها بمرتبة جعل القانون و هي المرتبة التي يكون الحكم قد انشأ و وجد بوجود انشائي و جعل من الامور المدونة، و الحكم في هذه المرتبة له وجود، بخلافه في المرتبة الاولى فانه بذاته لا وجود له و انما الموجود مقتضيه و مصلحته، و الحكم في هذه المرتبة و ان كان له وجود بإنشائه إلّا ان مجرد انشاء المعنى باللفظ ما لم يكن باعثا و محركا لا يكون طلبا بالحمل الشائع، و الحكم في هذه المرتبة ليس باعثا و لا زاجرا بحيث لو اطلع العبد على الحكم في هذه المرتبة لا يلزمه العقل بالحركة على طبقه، لعدم استحقاق العقاب على مخالفته في هذه المرتبة، لانها مرتبة حدها كون الحكم منشأ و مدونا و لم يقصد بعد به البعث و التحريك و ان يكون داعيا بالفعل للعبد للاتيان بمتعلقة، فلم يقصد مشرع هذا الحكم و منشؤه ان يحرك العبد به بالفعل، فلا يحكم العقل باستحقاق العقاب مخالفة الحكم و هو في هذه المرتبة و هذا الحد.
الثالث: مرتبة الفعلية و هي مرتبة كون الحكم باعثا و زاجرا و محركا للعبد لإتيان متعلقه، و هذه هي المرتبة التي يكون الحكم فيها طلبا بالحمل الشائع و بعثا جديا كذلك، و عليه ترتب جميع ما للحكم من الآثار، و لذا قال (قدّس سرّه): «و خصصنا بالفعلي لاختصاصها بما اذا كان متعلقا به: أي ان القطع بالحكم بهذه المرتبة تترتب عليه جميع احكام القطع الآتية التي هي من آثار الحكم في هذه المرتبة.
الرابعة: مرتبة التنجز و هذه المرتبة ليست مرتبة يترقى الحكم اليها، كما ترقى من مرتبة الاقتضاء الى مرتبة الانشاء، و من مرتبة الانشاء الى مرتبة الفعلية، لان مرتبة التنجز هي عبارة عن كون العقل حيث يبلغ الحكم الى مرتبة الفعلية ينتزع منه انه منجز و انه يستحق العبد العقاب على مخالفته، فنسبة مرتبة الفعلية الى مرتبة التنجز نسبة منشأ الانتزاع الى ما ينتزع منه، فليست هذه المرتبة من مراتب ترقي الحكم، فان المولى اذا بلغ حكمه الى كونه قد توجه الى العبد محركا له للاتيان ينتزع العقل منه كونه منجزا و كونه يستحق العقاب على مخالفته.