بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٣٨٤ - الاستدلال بآية الكتمان
و تقريب الاستدلال بها: إن حرمة الكتمان تستلزم وجوب القبول عقلا، للزوم لغويته بدونه (١)، و لا يخفى أنه لو سلمت هذه الملازمة
(١) هذه الآية الثالثة التي استدل بها لحجية خبر الواحد، و هي قوله تعالى في سورة البقرة مؤنبا لعلماء اهل الكتاب: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [١].
و تقريب الاستدلال بها ان الآية قد دلت على حرمة كتمان البينات و الهدى، و لا شك في شمول البينات و الهدي للاصول و الفروع، و كما ان علامات النبوة التي وردت في التوراة دالة على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلّم) يحرم كتمانها، كذلك احكام اللّه التي جاء بها رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلّم) يحرم كتمانها ايضا، و ان لحرمة الكتمان اطلاقا يشمل ما افاد العلم و ما لم يفد العلم، فيحرم كتمان الحكم على كل من عرفه سواء افاد اظهاره له العلم كما اذا اقترن اظهاره باظهار غيره، او لم يقترن اظهاره باظهار غيره فلا يكون مفيدا للعلم، و اذا حرم الكتمان و وجوب الاظهار مطلقا سواء افاد العلم او لم يفده كانت الغاية لحرمة الكتمان و وجوب الاظهار هو القبول، فان العقل لا يرى فائدة لحرمة الكتمان حتى لو لم يفد الاظهار العلم الا القبول، فانه لو لم يكن الغاية لوجوب الاظهار الذي لا يفيد العلم هو القبول لكان وجوب الاظهار و حرمة الكتمان حينئذ لغوا و اللغوية محال عليه تعالى في احكامه، و من الواضح ان لازم وجوب القبول هو حجية الخبر الذي لا يفيد العلم، لعدم امكان ان يجب قبوله و لا يكون حجة.
و قد تبين: ان الاستدلال بهذه الآية على نحو الاستدلال بآية النفر المتقدمة، فانه كان الاطلاق فيها لوجوب الانذار و لو لم يفد العلم مستلزما الوجوب القبول المستلزم لحجية خبر المنذر و ان الغاية لهذا الاطلاق هو القبول.
[١] البقرة: الآية ١٥٩.