بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٢٨ - الامر الثاني التجري و الانقياد
و بالجملة: ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها إلا مدحا أو لوما، و إنما يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة مضافا إلى أحدهما، إذا صار بصدد الجري على طبقها و العمل على وفقها و جزم و عزم، و ذلك لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من دون ذلك، و حسنها معه، كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الاطاعة و العصيان، و ما يستتبعان من استحقاق النيران أو الجنان (١).
(١) توضيحه: هو ان المرتكب لما قطع بانه لا يرضى به مولاه انما نشأ ارتكابه له من ترجيحه باختياره لان يرجح و يفعل ما يوافق شهواته و ملائمات نفسه على تركه لرضا مولاه، و يكشف هذا الترجيح ان طبعه و سريرته تدعوه لان يرجح ما يرضى به نفسه على ما يرضى به مولاه.
و لا اشكال ان من له مثل هذا له طبع شرير و سريرة سيئة، و من الواضح ايضا ان نفس الطبع الشرير و السريرة السيئة ليس من مصاديق الظلم للمولى و الطغيان عليه و الهتك لحرمته، و قد عرفت ان الوجدان الحاكم باستحقاق الذم و العقاب انما يحكم على ما به هتك و ظلم للمولى، و انما يتحقق ذلك من العبد حيث يجري باختياره مرجحا لما يوافق طبعه على ما يوافق رضا مولاه، بأن يتحرك و يفعل غير مبال بان يكون هاتكا و ظالما.
و بعبارة اخرى: ان هنا ثلاث مراتب:
الاولى: ان يكون له طبع الشر و سوء السريرة من دون ان يكون له شوق و رغبة في الارتكاب، كمثل الذي لم ير الخمر و لم يسمع بها و لكنه كان بحيث لو رآها و عرفها و قدر عليها لشربها مع علمه بعدم رضا المولى بشربه لها.
الثانية: من يحصل له الشوق و الرغبة في الارتكاب، و لا يمنعه عدم رضا المولى بذلك و انما تمنعه موانع آخر كمثل ان لا يكون له مال يشتريها به.