بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٤٥ - دلالة الآيات و الروايات على استحقاق المتجري للعقاب
[دلالة الآيات و الروايات على استحقاق المتجري للعقاب]
ساءت سريرته و خبثت طينته ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة كيلا يكون للناس على اللّه حجة بل كان له حجة بالغة.
و لا يخفى أن في الآيات و الروايات، شهادة على صحة ما حكم به الوجدان الحاكم على الاطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة و المثوبة (١)،
(١) اما الآيات فمثل قوله تعالى: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [١] و قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [٢] و قوله تعالى: وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [٣] فان ظاهر هذه الآيات و امثالها هي المؤاخذة على ما لا بالاختيار، فان المحاسبة على ما في النفس و السؤال عما في الفؤاد و المؤاخذة بما كسبت القلوب كل ذلك على امر غير اختياري، لان ما في النفس و ما في الفؤاد و ما في القلوب من غير الاختياري.
و الجواب عنه: اولا ان ظواهر القرآن الكريم لا يمكن الأخذ بها مع قيام البرهان على ما لا يوافق ظواهرها، فان مثل وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [٤] و مثل قوله عزّ و جل: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [٥] لا بد من تأويله بكون مجيئه تبارك و تعالى لا بد و ان يكون غير مجيء الملك الذي هو من صفات ما له الجسم، و كذلك يداه فانه لا بد من تأويله لئلا يستلزم تجسيما عليه تبارك و تعالى عن ذلك.
و ثانيا: انه يمكن ان يكون المراد من المحاسبة على ما في النفس و السؤال عن ما في الفؤاد و المؤاخذة على ما كسبت القلوب هي محاسبة النفس و الفؤاد و القلب على العقد و الجزم، و البناء على ما ينافي ما قام البرهان على بطلانه و دعت الرسل الى التكذيب به كالعقائد الفاسدة و الاحتمالات الباطلة.
و من الواضح ان عقد القلب على العقائد الفاسدة من الامور الاختيارية، و على هذا فلا ربط له بالارادة المحركة للعضلات في المتجري.
[١] البقرة: ٢٨٤.
[٢] الاسراء: ٣٦.
[٣] البقرة: ٢٢٥.
[٤] الفجر: ٢٢.
[٥] المائدة: ٦٤.