سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٦ - تنبيهات
و روى الإمام أحمد و البخاريّ و التّرمذيّ و النّسائيّ عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، يوم أحد: «اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أميّة»، فنزلت فتيب عليهم كلهم [١].
و روى الشيخان و ابن جرير، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع: «اللهمّ انج الوليد بن الوليد، و سلمة بن هشام، و عيّاش بن أبي ربيعة و المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر و اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف»،
يجهر بذلك.
و كان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلانا»، لأحياء من العرب،
حتى أنزل اللّه تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [٢] الآية.
و في لفظ: «اللهم العن بني لحيان و رعلا و ذكوان و عصيّة، عصت اللّه و رسوله»،
ثم بلغنا أنّه ترك ذلك لمّا نزلت هذه الآية [٣].
و روى ابن إسحاق و النّحاس في ناسخه، عن سالم بن عبد الله، قال: جاء رجل من قريش إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: إنك تنهى عن السّبّ، ثم تحوّل فحوّل قفاه إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كشف عن استه، فلعنه و دعا عليه، فنزلت ثم أسلم الرجل، فحسن إسلامه.
قال الحافظ: حديث أنس و حديث ابن عمر سيّان لنزول الآية، و يحتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا، فإنهما كان في وقعة واحدة، و الرواية الثانية عن أبي هريرة إن كانت محفوظة احتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن وقعة أحد، لأنّ قصة رعل و ذكوان كانت بعد أحد، و الصّواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم. بسبب قصة أحد، و اللّه أعلم. و يؤيد ذلك قوله في صدر الآية: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ [آل عمران ١٢٧] أي يخزيهم ثم قال: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي فيسلموا أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أي إن ماتوا كفّارا.
الرابع عشر: في مداواته (صلّى اللّه عليه و سلم) جرحه إشارة إلى جواز التّداوي، و أنّ الأنبياء (صلّى اللّه عليه و سلم) قد يصابون ببعض العوارض الدّنيوية من الجراحات و الآلام و الأسقام، ليعظم لهم بذلك الأجر، و تزداد درجاتهم، و ليتأسّى بهم أتباعهم في الصّبر على المكاره، و العاقبة للمتقين.
الخامس عشر: قال العلماء: النّعاس في القتال أمنة، و في الصلاة من الشيطان، و ذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق باللّه تعالى و الفراغ من الدنيا، و لا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن اللّه تعالى، ثم ذلك النّعاس كان فيه فوائد، لأنّ السّهر يوجب الضعف و الكلال، و النّوم يفيد عود القوة و النشاط، و لأنّ المشركين كانوا في غاية الحرص على قتلهم،
[١] أخرجه الترمذي (٣٠٠٤) و الطبري في التفسير ٤/ ٥٨ و الطبراني في الكبير ٤/ ٢٥٥.
[٢] أخرجه البخاري ١/ ٢٠٣ و مسلم ١/ ٤٦٦ (٢٩٤- ٦٧٥).
[٣] أخرجه مسلم في الموضع السابق.