سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٦ - ذكر إرادة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مصالحة غطفان
فانكشفوا منهزمين إلى منازلهم، قال عبّاد: و رجعت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فوجدته يصلّي فأخبرته. قالت أمّ سلمة: يرحم اللّه عبّاد بن بشر، فإنه كان ألزم أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لقبّته يحرسها أبدا. فلما أصبح المشركون و رأوا الخندق قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها، و لا تكيدها. و قال بعضهم: إنّ معه رجلا فارسيّا فهو الذي أشار عليه به. قالوا: فمن هناك إذا؟ و نادوا المسلمين، و كان بينهم الرميّ بالنّبل و الحجارة، و الخندق حاجز بين الفريقين.
و كان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما، و يغدو خالد بن الوليد يوما، و يغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، و يغدو ضرار بن الخطاب الفهريّ يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم، و يتفرّقون مرة، و يجتمعون أخرى، و يناوشون أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يقدمون رماتهم.
ذكر إرادة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مصالحة غطفان
لما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نقض بني قريظة العهد أرسل إلى عيينة بن حصن و الحارث بن عوف، و هما قائدا غطفان- و أسلما بعد ذلك- فلما جاءا في عشرة من قومهما قال لهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أرأيتما إن جعلت لكما ثلث تمر المدينة أ ترجعان بمن معكما، و تخذّلان بين الأعراب؟»
فقالا: تعطينا نصف تمر المدينة، فأبى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يزيدهما على الثلث، فرضيا بذلك، فأحضر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الصّحيفة و الدّواة، و أحضر عثمان بن عفان فأعطاه الصّحيفة، و هو يريد أن يكتب الصلح بينهما، و عبّاد بن بشر قائم على رأس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، مقنّع في الحديد، فأقبل أسيد بن حضير إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و معه الرّمح، و لا يدري بما كان من الكلام، فلما جاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و عيينة بن حصن مادّ رجليه بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و علم ما يريدون قال: يا عين الهجرس اقبض رجليك، أ تمدّهما بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ و اللّه لولا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، لأنفذت خصيتيك بالرمح! ثم أقبل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه إن كان أمرا من السماء فامض له، و إن كان غير ذلك فو الله لا نعطيهم إلا السيف، متى طمعوا بهذا منّا؟ فسكت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فدعا سعد بن معاذ، و سعد بن عبادة، فاستشارهما في ذلك و هو متّكئ عليهما، و القوم جلوس، فتكلم بكلام يخفيه، و أخبرهما الخبر.
و قال ابن إسحاق: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) استشارهما في ذلك فقالا: يا رسول اللّه إن كان الأمر من السماء فامض له، و إن كان أمرا لم تؤمر به و لك فيه هوى فامض له سمعا و طاعة، و إن كان إنّما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف. و أخذ سعد بن معاذ الكتاب،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، و كالبوكم من كل جانب،