سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٥ - تنبيهات
بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر ٢٢] و هذا مصير منها إلى ردّ رواية ابن عمر المذكورة، و قد خالفها الجمهور في ذلك و قبلوا حديث ابن عمر لموافقة من رواه غيره عليه. و أما استدلالها عليه بالآية فقالوا: معناها لا تسمعهم سماعا ينفعهم و لا تسمعهم إلا أن يشاء اللّه، و قال الإسماعيليّ: كان عند عائشة رضي اللّه عنها من الفهم و الذكاء و كثرة الرواية و الغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، و لكن لا سبيل إلى رد كلام الثقة إلا بنصّ يدلّ على نسخه، أو تخصيصه أو استحالته، فكيف و الجمع بين الذي أنكرته و أثبته غيرها ممكن؟ لأن قوله تعالى:
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى لا ينافي
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «إنهم الآن يسمعون»
لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فاللّه تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلم). و أما جوابه بأنه إنما قال: «إنهم ليعلمون»، فإن كانت سمعت ذلك فلا ينافي رواية يسمعون، بل يؤيّدها. و قال البيهقيّ: العلم لا يمنع من السماع، و الجواب عن الآية لا يسمعهم و هم موتى، و لكن اللّه تعالى أحياهم حتى سمعوا كما قال قتادة.
و قال السّهيليّ ما محصّله: إن في نفس الخبر ما يدلّ على خرق العادة بذلك للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لقول الصحابة له: أ تخاطب أقواما قد جيّفوا فأجابهم، و إذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين جاز أن يكونوا سامعين، و ذلك بآذان رؤوسهم على قول الأكثر، أو بآذان قلوبهم، و احتجاج عائشة رضي اللّه عنها بقوله تعالى: وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ و هذه الآية لقوله تعالى: أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ [الزخرف ٤٠] أي أن اللّه تعالى هو الذي يهدي و يوفّق و يوصّل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت، و جعل الكفار أمواتا و صمّا على جهة التشبيه بالأموات و بالصّمّ، و اللّه تعالى هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاء لا نبيّه و لا أحد، فإذا لا تعلّق بالآية من وجهين: أحدهما: أنها نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان، الثاني:
أنه إنما نفى عن نبيّه أن يكون هو المسمع لهم، و صدق اللّه تعالى فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو، و يفعل ما يشاء، و هو على كل شيء قدير.
الخامس عشر: من الغرائب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيّد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة، و فيه: «ما أنت بأسمع لما أقول منهم»، و رواه الإمام أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظا فكأن عائشة رضي اللّه عنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة.
السادس عشر: قال في الروض: فإن قيل: ما معنى إلقائهم في القليب و ما فيه من الفقه؟ قلنا: كان من سنّته (صلّى اللّه عليه و سلم) في مغازيه إذا مرّ بجيفة إنسان أمر بدفنه لا يسأل عنه، مؤمنا كان أو كافرا، هكذا رواه الدار قطنيّ في سننه. و إلقاؤهم في القليب من هذا الباب غير أنه كره أن