سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧ - الباب الأول في الإذن بالقتال و نسخ العفو عن المشركين و أهل الكتاب
[التوبة ٥] فالحرم هنا هي أشهر التّسيير، أولها يوم الأذان و هو العاشر من ذي الحجة، و هو يوم الحجّ الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، و آخرها العاشر من ربيع الآخر و ليست هي الأربعة المذكورة في قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة ٣٦] فإِنَّ تلك واحد فرد و ثلاثة سرد: رجب، و ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم. و لم يسيّر المشركين في هذه الأربعة، فإنّ هذا لا يمكن، لأنها غير متوالية و إنما هو أجّلهم أربعة أشهر. ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم، فقاتل الناقض لعهده، و أجّل من لا عهد له- أو له عهد مطلق- أربعة أشهر، و أمره أن يتمّ للموفي بعهده عهده إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلّهم و لم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم.
و ضرب على أهل الذّمة الجزية، فاستقرّ أمر الكفّار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام:
محاربين له، و أهل عهد، و أهل ذمّة، ثم آلت حال أهل العهد و الصّلح إلى الإسلام، فصار الكفار قسمين: أهل ذمّة آمنون و أهل حرب و هم خائفون منه، و صار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، و مسالم له آمن، و خائف محارب. و أمر في المنافقين أن يقبل منهم علانيتهم و يكل سرائرهم إلى اللّه تبارك و تعالى، و أن يجاهدوهم بالعلم و الحجّة، و أمره أن يعرض عنهم، و يغلظ عليهم، و أن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، و نهي أن يصلّي عليهم و أن يقوم على قبورهم، و أخبر أنه إن استغفر لهم أو لم يستغفر لهم فلن يغفر اللّه لهم.
تنبيه: قال بعض الملحدين: إنما بعث (صلّى اللّه عليه و سلم) بالسّيف و القتل، و الجواب: أنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعث أولا بالبراهين و المعجزات، فأقام يدعو الناس أكثر من عشر سنين فلم يقبلوا ذلك، و أصروا على الكفر و التكذيب، فأمر بالقتال و هو عوض العذاب الذي عذّب اللّه تعالى به الأمم السابقة لمّا كذّبت رسلهم.