سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٢ - الباب الثالث عشر في غزوة أحد
الباب الثالث عشر في غزوة أحد
و السبب في ذلك أنه لما قتل اللّه تعالى من قتل من كفّار قريش يوم بدر، و رجع فلّهم إلى مكّة، و رجع أبو سفيان بعيرهم فأوقفها بدار النّدوة، و كذلك كانوا يصنعون، فلم يحرّكها و لا فرّقها، فطابت أنفس أشرافهم أن يجهّزوا منها جيشا لقتال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فمشى عبد الله بن أبي ربيعة، و عكرمة بن أبي جهل، و الحارث بن هشام، و حويطب بن عبد العزّى، و صفوان بن أميّة- و أسلموا بعد ذلك- في رجال ممّن أصيب آباؤهم و أبناؤهم و إخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان و من كانت له في تلك العير تجارة من قريش، فقالوا: إن محمدا قد وتركم و قتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلّنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منّا، فقال أبو سفيان: إنّا أول من أجاب إلى ذلك.
قال البلاذريّ: و يقال: بل مشى أبو سفيان إلى هؤلاء الذين سمّوا، فباعوها، و كانت ألف بعير، و خمسين ألف دينار، فسلّموا إلى أهل العير رؤوس أموالهم و أخرجوا أرباحهم، و كانوا يربحون في تجاراتهم لكلّ دينار دينارا، فأخرجوا خمسة و عشرين ألف دينار لأجل مسيرهم إلى حرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأنزل اللّه تبارك و تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، ثُمَّ يُغْلَبُونَ، وَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال ٣٦]- فأجمعت قريش لحرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و بعثوا عمرو بن العاص، و عبد الله بن الزّبعرى- و هو بكسر الزّاي و الموحّدة و سكون المهملة فراء فألف مقصورة- و أسلما بعد ذلك- و هبيرة بن أبي وهب، و مسافع- بسين مهملة- ابن عبد مناف، و أبا عزّة- عمرو بن عبد اللّه الجمحيّ الذي منّ عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم بدر- إلى العرب يستنفرونها لحرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فألّبوا العرب و جمعوها. و رأس فيهم أبو سفيان بن حرب، لذهاب أكابرهم- و أسلم بعد ذلك- فأخذ يؤلّب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يجمع الجموع، فجمع قريبا من ثلاثة آلاف من قريش و الحلفاء و الأحابيش، فيهم سبعمائة دارع و مائتا فارس. و كتب العباس رضي اللّه عنه إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يعلمه بذلك مع رجل من بني غفار، فقدم عليه و هو بقباء، فقرأه عليه أبيّ بن كعب، و استكتم أبيّا،
و نزل (صلّى اللّه عليه و سلم) على سعد بن الرّبيع فأخبره بكتاب العباس، فقال: و اللّه إني لأرجو أن يكون خيرا، فاستكتمه إياه، فلما خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من عند سعد أتته امرأته، فقالت: ما قال لك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ قال: ما أنت و ذاك، لا أمّ لك، قالت:
قد كنت أسمع عليكم، و أخبرت سعدا بما سمعت، فاسترجع و قال: أراك كنت تسمعين علينا، و انطلق بها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأدركه فأخبره خبرها، و قال: يا رسول اللّه إن خفت أن يفشو