سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٥ - ذكر نقض بني قريظة العهد الذي بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب ١٣] و همّت بنو قريظة بالإغارة على المدينة ليلا، فبلغ ذلك المسلمين، فعظم الخطب، و اشتدّ البلاء، ثم كفهّم اللّه تعالى عن ذلك لمّا بلغهم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أرسل سلمة بن أسلم بن حريش الأشهليّ في مائتي رجل، و زيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة، و يظهرون التكبير، فإذا أصبحوا أمنوا.
و اجتمعت جماعة من بني حارثة فبعثوا أوس بن قيظيّ- بالتحتية و الظاء المعجمة المشالة- إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه إن بيوتنا عورة، و ليس دار من دور الأنصار مثل دورنا، ليس بيننا و بين غطفان أحد يردّهم عنّا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا، فنمنع ذرارينا و نساءنا فأذن لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و فرحوا بذلك و تهيّئوا للانصراف.
قال محمد بن عمر: فبلغ سعد بن معاذ، فجاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه: لا تأذن لهم، إنا و اللّه ما أصابنا و إيّاهم شدّة قطّ إلا صنعوا هكذا، ثم أقبل عليهم فقال: يا بني حارثة، هذا لنا منكم أبدا، ما أصابنا و إياكم شدة إلا صنعتم هكذا. فردّهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و كان المسلمون يتناوبون حراسة نبيّهم، و كانوا في قرّ شديد و جوع، و كان ليلهم نهارا.
روى محمد بن عمر عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها، حتى إذا آذاه البرد جاءني فأدفأته في حضني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثّلمة، و يقول: «ما أخشى أن يؤتى الناس إلّا منها» فبينما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، في حضني قد دفئ و هو يقول: ليت رجلا صالحا يحرس هذه الثّلمة الليلة، فسمع صوت السّلاح، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «من هذا؟» فقال سعد بن أبي وقاص: سعد يا رسول اللّه، فقال: «عليك هذه الثّلمة فاحرسها».
قالت: فنام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، حتى سمعت غطيطه.
قال ابن سعد: و كان عبّاد بن بشر، و الزّبير بن العوام، على حرس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و روى محمد بن عمر عن أمّ سلمة رضي اللّه عنها قالت: كنت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، في الخندق، و كنا في قرّ شديد، فإني لأنظر إليه ليلة قام فصلّى ما شاء اللّه أن يصلي في قبّته، ثم خرج فنظر ساعة فأسمعه يقول: «هذه خيل المشركين تطيق بالخندق»، ثم نادى عبّاد بن بشر، فقال عبّاد: لبيك! قال: «أ معك أحد؟» قال: نعم، أنا في نفر من أصحابي حول قبّتك.
قال: «انطلق في أصحابك فأطف بالخندق، فهذه خيل المشركين تطيف بكم، يطمعون أن يصيبوا منكم غرّة، اللهمّ فادفع عنّا شرّهم، و انصرنا عليهم، و اغلبهم، فلا يغلبهم أحد غيرك».
فخرج عبّاد في أصحابه فإذا هو بأبي سفيان بن حرب في خيل المشركين يطوفون بمضيق من الخندق، و قد نذر بهم المسلمون فرموهم بالحجارة و النّبل، حتى أذلقهم المسلمون بالرّمي،