سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٨ - ذكر قتل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عمرو بن عبد ود العامري
الخندق و سلع، و خرج نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثّغرة التي أقحموا منها خيلهم، و أقبلت الفرسان تعنق نحوهم، و كان عمرو بن عبد ودّ قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، و ارتثّ فلم يشهد أحدا، فحرّم الدّهن حتى يثأر من محمد و أصحابه، و هو يومئذ كبير. قال ابن سعد: إنه بلغ تسعين سنة، و كان من شجعان المشركين و أبطالهم المسمّين،
فلما كان يوم الخندق خرج ثائر الرأس معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو و خيله دعا إلى البراز، فقام عليّ بن أبي طالب، فاستأذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأذن له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أعطاه سيفه و عمّمه، و قال:
«اللهمّ أعنه عليه»، فمشى إليه و هو يقول:
لا تعجلنّ فقد أتا* * * ك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نيّة و بصيرة* * * و الصّدق من خير الغرائز
إنّي لأرجو أن أقي* * * م عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يب* * * قى ذكرها عند الهزاهز
ثم قال له: يا عمرو إنك كنت تقول في الجاهلية: لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلا قبلتها، قال: أجل، فقال عليّ: فإني أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، و تسلم لرب العالمين، قال: يا بن أخي أخّر عنّي هذه، قال: و أخرى ترجع إلى بلادك، فإن يك محمد صادقا كنت أسعد الناس به، و إن يك كاذبا كان الذي تريد. قال: هذا ما لا تحدّث به نساء قريش أبدا، و قد نذرت ما نذرت، و حرّمت الدّهن، قال: فالثالثة؟ قال:
البراز. فضحك عمرو و قال: إن هذه لخصلة ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومني عليها، فمن أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب. قال: يا بن أخي من أعمامك من هو أسنّ منك، فإني أكره أن أهريق دمك، فقال عليّ رضي اللّه عنه: لكنّي و اللّه لا أكره أن أهريق دمك.
فغضب عمرو، فنزل عن فرسه و عقرها، و سلّ سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو عليّ مغضبا، و استقبله عليّ بدرقته، و دنا أحدهما من الآخر و ثارت بينهما غبرة، فضربه عمرو فاتّقى عليّ الضّربة بالدّرقة فقدّها، و أثبت فيها السيف، و أصاب رأسه فشجّه.
قال البلاذريّ: و يقال: إن عليّا لم يجرح قطّ و ضربه عليّ على حبل عاتقه فسقط و ثار العجاج، و قيل: طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقّه، فسقط. و سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) التكبير فعرف أنّ عليّا قد قتله.
فثمّ عليّ رضي اللّه عنه يقول:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه* * * و نصرت ربّ محمّد بصوابي
فصدرت حين تركته متجدّلا* * * كالجذع بين دكادك و روابي