سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥ - الباب الأول في الإذن بالقتال و نسخ العفو عن المشركين و أهل الكتاب
أذن: رخّص و في قراءة بالبناء للفاعل و هو اللّه. للذين يقاتلون المشركين و هم المؤمنون، و المأذون فيه محذوف، لدلالته عليه. و في قراءة بفتح التاء، أي للذين يقاتلهم المشركون.
بأنهم ظلموا: بسبب أنهم ظلموا أي بظلم الكافرين إيّاهم. و إنّ اللّه على نصرهم لقدير:
و عدهم بالنّصر كما وعد بدفع أذى الكفّار عنهم. الّذين أخرجوا من ديارهم- يعني مكّة- بغير حقّ في الإخراج، ما أخرجوا إلّا أن يقولوا ربّنا اللّه وحده. و هذه القول حقّ في الإخراج بغير حق. و لولا دفع- و في قراءة: دفاع- اللّه النّاس بعضهم- بدل بعض من النّاس- ببعض، بتسليط المؤمنين، على الكافرين. لهدمت- بالتّشديد للتكثير، و بالتّخفيف- صوامع للرّهبان و بيع للنّصارى و صلوات كنائس لليهود، و هي بالعبرانية «صلواتا» و قيل فيه حذف مضاف تقديره: مواضع صلوات، و قيل: المراد بتهديم الصّلوات تعطيلها. و مساجد للمسلمين يذكر فيها، أي في المواضع، اسم اللّه كثيرا و تنقطع العبادات بخرابها وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج: ٤٠] أي دينه. إنَّ اللّه لقويّ على خلقه، عزيز: منيع في سلطانه و قدرته.
قال العلماء: ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم. قال تعالى: وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا [البقرة ١٩٠] يعني في قتالهم فتقاتلوا غير الذين يقاتلونكم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة حتى يكون الدين كله للّه. و قال اللّه عز و جل: وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة ٣٦] أي جميعا كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً. و قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة ٢١٦] و كان محرّما، ثم صار مأذونا فيه، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين، إمّا فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور.
روى الإمام أحمد و التّرمذيّ، و حسّنه، و النّسائيّ و ابن ماجة و ابن حبّان، عن ابن عبّاس و ابن أبي شيبة: و عبد بن حميد، و البيهقيّ، عن مجاهد و ابن عائذ و عبد الرّزاق و ابن المنذر عن الزهريّ، و البيهقيّ عن السدّيّ أن أول آية نزلت في القتال قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج ٣٩].
و روى الإمام أحمد و البخاريّ و أبو داود و النّسائيّ و ابن حبّان و الدار قطنيّ و تمّام عن أنس و الأئمة عن أبي هريرة، و أبو داود الطّيالسيّ و النسائيّ، و ابن ماجة، و الضياء عن أوس بن أوس الثّقفيّ، عن أبيه- قال الحافظ في الإصابة: و الصواب أنه غير الذي قبله- و الطبرانيّ عن جابر و النّسائيّ و البزّار و الطّبرانيّ عن النعمان بن بشير، و عن ابن عبّاس، و عن ابن مالك الأشجعيّ، عن أبيه، و عن أبي بكرة و عن سمرة، و الإمام أحمد و الخمسة عن عمر، و الشيخان عن ابن