سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣ - ذكر ابتداء الحرب و تهييج القتال يوم بدر
و لمّا بلغ عتبة قول أبي جهل: «انتفخ و اللّه سحره»، قال: سيعلم مصفّر استه من انتفخ سحره: أنا أم هو؟.
ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته، فلما رأى ذلك اعتجر ببرد له على رأسه.
و سلّ أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال له إيماء بن رحضة: بئس الفأل هذا؟.
و ذكر محمد بن عمر الأسلميّ و البلاذريّ و صاحب الإمتاع: أن قريشا لما نزلت بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إليهم، يقول لهم: ارجعوا فإنه إن يلي هذا الأمر منّي غيركم أحبّ إليّ من أن تلوه منيّ، و أن أليه من غيركم أحبّ إلىّ من أن أليه منكم فقال حكيم بن حزام: قد عرض نصحا فاقبلوه، فو اللّه لا تنتصرون عليه بعد ما عرض من النّصح، فقال أبو جهل: و اللّه لا نرجع بعد أن مكّننا اللّه منهم.
قال ابن عائذ: و قال رجال من المشركين لمّا رأوا قلة أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): غرّ هؤلاء دينهم، منهم أبو البختريّ بن هشام، و عتبة بن ربيعة، و أبو جهل بن هشام، و ذكر غيرهم لما تقالّوا أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ظنّوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، فأنزل اللّه تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال ٤٩] لا يغالب، ينصر من يستحق النصر و إن كان ضعيفا، فعزّته و حكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه، أخبر تعالى أن النصر بالتوكّل عليه لا بالكثرة.
و روى ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذا فاربطوهم في الحبال و لا تقتلوا منهم أحدا فنزل: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ [القلم ١٧] يقول في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.
ذكر ابتداء الحرب و تهييج القتال يوم بدر
و لما أصبح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) صفّ أصحابه قبل أن تنزل قريش، و طلعت قريش و رسوله اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يصفّ أصحابه و يعدّلهم، كأنما يقوّم بهم القدح و معه يومئذ قدح، يشير إلى هذا: تقدّم، و إلى هذا: تأخّر، حتى استووا، و دفع رايته إلى مصعب بن عمير، فتقدم حيث أمره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يضعها، و وقف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينظر إلى الصفوف فاستقبل المغرب، و جعل الشمس خلفه، و أقبل المشركون فاستقبلوا الشمس، و نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالعدوة الشاميّة، و نزلوا بالعدوة اليمانية، فجاء رجل فقال: يا رسول اللّه: إني أرى أن نعلو الوادي، فإني أرى ريحا قد هاجت من أعلى الوادي، و إني أراها بعثت بنصرك،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «قد صففت صفوفي و وضعت رايتي، فلا أغيّر ذلك»، و لما عدل