سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٣ - ذكر خروج قريش من مكة
الخبر فترى أنّي المفشي له، و قد استكتمتني إيّاه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): خلّ عنها.
ذكر خروج قريش من مكة
خرجوا منها لخمس من شوال، و خرجوا معهم بالظّعن التماس الحفيظة، لئلا يفرّوا، و خرج أبو سفيان بزوجته هند بنت عتبة، و كذلك أشراف قريش و كبراؤهم خرجوا معهم بنسائهم، و معهنّ الدّفوف يبكين قتلى بدر، و دعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيّا يقال له وحشيّ- و أسلما بعد ذلك- يقذف بحربة له قذف الحبشة قلّ ما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عمّ محمد بعميّ طعيمة فأنت حرّ. و كانت هند بنت عتبة كلما مرّت بوحشيّ أو مرّ بها تقول: «ويها أبا دسمة، اشف و استشف» كان وحشيّ يكنى أبا دسمة.
و كان أبو عامر الفاسق [عبد] عمرو بن صيفيّ قد خرج في خمسين رجلا من المنافقين إلى مكة، و حرّض قريشا على حرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و سار معها و هو يعدها أن قومه يؤازرونهم، و همّت قريش و هي بالأبواء بنبش قبر آمنة أمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم كفّهم اللّه تعالى عن ذلك.
روى أبو الوليد الأزرقيّ عن هشام بن عاصم الأسلميّ، قال: لمّا خرجت قريش إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) في غزوة أحد فنزلوا بالأبواء قالت هند بنت عتبة لأبي سفيان: أو بحثتم قبر أمّ محمد فإنها بالأبواء، فإن أسر أحدا منكم فديتم كلّ إنسان بارب من آرابها، فذكر ذلك لقريش و قال: هذا الرأي، فقالت قريش: لا تفتح هذا الباب لئلا تفتح بنو بكر موتانا.
و شاع خبر قريش و مسيرهم في الناس، و أرجفت اليهود و المنافقون، و قدم عمرو بن سالم الخزاعيّ في نفر قد فارقوا قريشا من ذي طوّى، فأخبروا النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) الخبر و انصرفوا، و بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنسا و مؤنسا ابني فضالة الظّفريّين- ليلة الخميس ليال مضت من شوال- عينين، فاعترضا لقريش بالعقيق، و عادا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبراه بخبرهم، و أنهم قد خلّوا إبلهم و خيلهم في الزّرع الذي بالعريض، حتى تركوه ليس به خضر، و ترك المشركون ظاهر المدينة بعينين: جبل ببطن السّبحة من قناة على شفير الوادي، مقابل المدينة- يوم الأربعاء، فرعت إبلهم آثار الحرث و الزرع يوم الخميس و يوم الجمعة، لم يتركوا خضراء، ثم بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الحباب- بضم المهملة و تخفيف الموحدة- ابن المنذر بن الجموح إليهم أيضا، فنظر إليهم و عاد و قد حزر عددهم و ما معهم،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تذكر من شأنهم حرفا، حسبنا اللّه و نعم الوكيل، اللهمّ بك أجول و بك أصول».
و باتت وجوه الأوس