سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٢ - ذكر مسير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى بني النضير
أبيّ على أبيه و على النّفر الذين معه، و عنده جديّ بن أخطب، فلبس درعه، و أخذ سيفه و خرج يعدو.
قال جديّ: لمّا رأيت ابن أبيّ جالسا في ناحية البيت، و ابنه عليه السّلاح، يئست منه و من نصره، فخرجت أعدو إلى حييّ، فقال: ما وراءك؟ قال: فقلت الشرّ، ساعة أخبرت محمدا بما أرسلت به إليه أظهر التكبير و قال: حاربت يهود، قال: و جئت ابن أبيّ فأخبرته، و نادى منادي محمد بالمسير إلى بني النضير، فقال حييّ: و ما ردّ عليك ابن أبيّ؟ قال جديّ: لم أر عنده خيرا، قال: أنا أرسل إلى حلفائي من غطفان. فيدخلون معكم.
ذكر مسير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى بني النضير
سار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في أصحابه إلى بني النّضير.
و استخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم، و حملت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبّة من خشب الغرب، عليها مسوح أرسل بها سعد بن عبادة رضي اللّه عنه، و صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) العصر بفضاء بني النّضير، فلما رأوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه قاموا على جدر حصونهم، معهم النّبل و الحجارة، و اعتزلتهم بنو قريظة، فلم يعينوهم بسلاح و لا رجال، و لم يقربوهم، فجعلت بنو النضير يرمون ذلك اليوم بالنّبل و الحجارة. و قام إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أصحابه، فلمّا صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، عليه الدّرع، و هو على فرس، و استعمل على العسكر عليّ بن أبي طالب، و يقال: أبو بكر، رضي اللّه عنهما، و بات المسلمون يحاصرونهم و يكبّرون حتى أصبحوا ثم أذّن بلال بالفجر، فغدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في أصحابه الذين كانوا معه فصلّى بالناس في فضاء بني خطمة، و أمر بلالا فضرب القبّة في موضع المسجد الصغير الذي بفضاء بني خطمة، فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) القبّة.
و كان رجل من يهود يقال له: عزوك، و كان أعسر راميا، فيرمي فتبلغ نبله قبّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأمر بقبّته فحوّلت إلى مسجد الفضيخ، فتباعدت من النّبل.
و أمسوا فلم يقربهم ابن أبيّ، و لا أحد من حلفائه، و جلس في بيته، و يئست بنو النّضير من نصره، و جعل سلّام بن مشكم و كنانة بن صويراء يقولان لحييّ: أين نصر بن أبيّ الذي زعمت؟ قال حييّ: ما أصنع؟! هي ملحمة كتبت علينا.
و لزم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حصارهم، فلما كانت ليلة من الليالي فقد عليّ رضي اللّه عنه قرب العشاء،
فقال الناس: يا رسول اللّه، ما نرى عليّا! قال: «دعوه، فإنه في بعض شأنكم!»
فعن قليل جاء برأس عزوك، و قد كمن له حين خرج يطلب غرّة من المسلمين، و كان شجاعا راميا، فشدّ عليه فقتله، و فرّ من كان معه، و بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مع عليّ أبا دجانة و سهل بن