سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٦ - ذكر انهزام المشركين و إرسال اللّه تعالى عليهم البرد و الريح و الملائكة تزلزلهم
فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش و غطفان: إن الذي ذكر نعيم لحقّ فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا و اللّه ما ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قريظة لمّا سمعوا ذلك: إن الذي ذكر لكم نعيم لحقّ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، و إن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، و خلّوا بينكم و بين الرجل في بلدكم.
و تكرّرت رسل قريش و غطفان إلى بني قريظة، و هم يردّون عليهم بما تقدّم، فيئس هؤلاء من نصر هؤلاء، فاختلف أمرهم، و خذّل اللّه تعالى بينهم على يد نعيم بن مسعود رضي اللّه عنه.
ذكر انهزام المشركين و إرسال اللّه تعالى عليهم البرد و الريح و الملائكة تزلزلهم
قال ابن إسحاق: و بعث اللّه الرّيح في ليلة باردة شاتية. فجعلت تكفأ قدورهم، و تطرح آنيتهم.
و روى ابن سعد، عن سعيد بن جبير قال: لما كان يوم الخندق أتى جبريل و معه الرّيح، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين رأى جبريل: «ألا أبشروا!»
ثلاثا، فأرسل اللّه تعالى عليهم الريح، فهتكت القباب، و كفأت القدور، و دفنت الرجال، و قطعت الأوتاد، فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد، و أنزل اللّه تعالى: إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب ٩].
و روى ابن أبي حاتم و أبو نعيم و البزّار برجال الصحيح، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: لما كانت ليلة الأحزاب جاءت الشّمال إلى الجنوب فقالت: انطلقي فانصري اللّه و رسوله، فقالت الجنوب: إن الحرّة لا تسري باللّيل، فغضب اللّه تعالى عليها فجعلها عقيما، و أرسل الصّبا، فأطفأت نيرانهم، و قطّعت أطنابهم،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «نصرت بالصّبا، و أهلكت عاد بالدّبور».
و روى الإمام أحمد و الشيخان و النّسائيّ عنه: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «نصرت بالصّبا، و أهلكت عاد بالدّبور»
[١].
[١] أخرجه البخاري في كتاب المغازي (٤١٠٥).