سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٣ - ذكر طلب المسلمين قتلاهم
شهق ثم قال: «ألا كفن؟» فقام رجل من الأنصار فرمى بثوبه عليه، ثم قام آخر فرمى بثوبه عليه، فقال: «يا جابر هذا الثوب لأبيك و هذا لعمّي»، و قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «رحمة اللّه عليك، فإنك كنت كما علمتك، فعولا للخيرات، وصولا للرّحم، لو لا أن تحزن صفيّة- و في لفظ: نساؤنا، و في لفظ: لولا حزن من بعدي عليك، و تكون سبّة من بعدي- لتركته، حتى يحشر من بطون السّباع و حواصل الطير»، ثم قال: «أبشروا، جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه و أسد رسوله». و قال: «لئن ظفّرني اللّه تعالى على قريش في موطن من المواطن لأمثّلنّ بسبعين منهم مكانك»،
فلما رأى المسلمون حزن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و غيظه على من فعل بعمّه ما فعل، قالوا: و اللّه لئن ظفّرنا اللّه تعالى بهم يوما من الدهر لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب، قال أبو هريرة، كما رواه ابن سعد و البزار و ابن المنذر و البيهقيّ: فنزل جبريل و النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) واقف بخواتيم سورة النّحل وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل ١٢٦] فكفّر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عن يمينه، و أمسك عن الذي أراد و صبر [١].
و روى ابن المنذر و الطبرانيّ و البيهقيّ نحوه عن ابن عباس.
و روى التّرمذيّ و حسّنه، و عبد اللّه بن الإمام أحمد في زوائد المسند، و النّسائيّ، و ابن المنذر، و ابن خزيمة في فرائده، و ابن حبّان و الضياء في صحيحهما عن أبيّ بن كعب رضي اللّه عنه قال: لمّا كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة و ستون رجلا. و من المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثّلوا به، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم، فلما كان فتح مكة أنزل اللّه تعالى: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «نصبر و لا نعاقب، كفّوا عن القوم إلا أربعة» [٢].
و روى ابن إسحاق و ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلّها بمكة إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد، حيث قتل حمزة و مثّل به،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لئن ظهرنا عليهم لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب بأحد قطّ، فأنزل اللّه تعالى: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ إلى آخر السورة [٣].
[١] أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٩٩ و ذكره السيوطي في الدر ٢/ ٩٧.
[٢] أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٣٥ و ذكره المتقي الهندي في الكنز (٤٤٧٦) و ذكره السيوطي في الدر ٤/ ١٣٥ و عزاه للترمذي و حسنه و عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند و النسائي و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن حبان و ابن مردويه و الحاكم و صححه و البيهقي في الدلائل.
[٣] ذكره السيوطي في الدر ٤/ ١٣٥ و عزاه لابن إسحاق و ابن جرير.