سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٤ - ذكر خروج بني النضير من أرضهم
و عن عائشة: خمس و عشرين حتى أجلاهم.
و ولي إخراجهم محمد بن مسلمة- رضي اللّه عنه- فقالوا: إنّ لنا ديونا على الناس إلى آجال فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «تعجّلوا وضعوا».
فكان لأبي رافع سلّام بن أبي الحقيق على أسيد بن حضير عشرون و مائة دينار إلى سنة، فصالحه على أخذ رأس ماله ثمانين دينارا، و أبطل ما فضل.
و كانوا في حصارهم يخربون بيوتهم ممّا يليهم، و كان المسلمون يخربون بيوتهم ممّا يليهم، و يحرقون، حتى وقع الصّلح.
ذكر خروج بني النضير من أرضهم
لما خرجوا حموا النّساء و الذّريّة، و ما استقلّت به الإبل من الأمتعة، فكان الرجل يهدم بيته عن نجاف بابه، و أظهروا تجلّدا عظيما، فخرجوا على بلحارث بن الخزرج، ثم على الجبليّة، ثم على الجسر، حتى مرّوا بالمصلّى ثم شقّوا سوق المدينة، و النساء في الهوادج و عليهنّ الدّيباج و الحرير و قطف الخزّ الخضر و الحمر و حلّي الذهب و الفضّة، و المعصفر.
و نادى أبو رافع سلّام بن أبي الحقيق، و رفع مسك جمل و قال: هذا ممّا نعدّه لخفض الأرض و رفعها، فإن تكن النخل قد تركناها فإنا نقدم على نخل بخيبر.
و مرّوا و معهم الدفوف و المزامير و القيان يعزفن خلفهم تجلّدا، و صفّ لهم الناس فجعلوا يمرّون قطارا في أثر قطار، تحمّلوا على ستمائة بعير. و حزن المنافقون لخروجهم أشدّ الحزن.
فنزل أكثرهم بخيبر، منهم حييّ بن أخطب، و سلّام بن أبي الحقيق، و كنانة بن صويراء. فدان لهم أهلها، و ذهبت طائفة منهم إلى الشّام.
و قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الأموال و الحلقة فوجد خمسين درعا، و خمسين بيضة، و ثلاثمائة و أربعين سيفا.
و قال عمر بن الخطّاب: يا رسول اللّه ألا تخمّس ما أصبت؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا أجعل شيئا جعله اللّه تعالى لي دون المؤمنين» بقوله: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى .. [الحشر ٧] الآية،
كهيئة ما وقع فيه السّهمان.
و كانت بنو النّضير من صفايا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، جعلها حبسا لنوائبه.
و كان ينفق على أهله منها، كانت خالصة له فأعطى منها من أعطى و حبس ما حبس.
و كان يزرع تحت النّخل، و كان يدّخر منها قوت أهله سنة من الشّعير و التّمر لأزواجه و بني عبد المطلب، و ما فضل جعله في الكراع و السلاح.