سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٧ - ذكر بعض ما قاله الصحابة من الشعر في غزوة بدر
بنيت على قطن أجمّ كأنّه* * * فضلا إذا قعدت مداك رخام
و تكاد تكسل أن تجيء فراشها* * * في جسم خرعبة و حسن قوام
أمّا النّهار فلا أفتّر ذكرها* * * و اللّيل توزعني بها أحلامي
أقسمت أنساها و أترك ذكرها* * * حتّى تغيّب في الضّريح عظامي
يا من لعاذلة تلوم سفاهة* * * و لقد عصيت على الهوى لوّامي
بكرت عليّ بسحرة بعد الكرى* * * و تقارب من حادث الأيّام
زعمت بأنّ المرء يكرب عمره* * * عدم لمعتكر من الأصرام
إن كنت كاذبة الّذي حدّثتني* * * فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم* * * و نجا برأس طمرّة و لجام
تذر العناجيج الجياد بقفرة* * * مرّ الدّموك بمحصد و رجام
ملأت به الفرجين فارمدّت به* * * و ثوى أحبّته بشرّ مقام
و بنو أبيه و رهطه في معرك* * * نضر الإله به ذوي الإسلام
طحنتهم و اللّه ينفذ أمره* * * حرب يشبّ سعيرها بضرام
لولا الإله و جريها لتركنه* * * جزر السّباع و دسنه بحوامي
من بين مأسور يشدّ وثاقه* * * صقر إذا لاقى الأسنّة حامي
و مجدّل لا يستجيب لدعوة* * * حتّى تزول شوامخ الأعلام
بالعار و الذّلّ المبينّ إذ رأى* * * بيض السيّوف تسوق كلّ همام
بيدي أغرّ إذا انتمى لم يخزه* * * نسب القصار سميدع مقدام
بيض إذا لاقت حديدا صمّمت* * * كالبرق تحت ظلال كلّ غمام
فأجابه الحارث بن هشام- و أسلم بعد ذلك- فقال:
القوم أعلم ما تركت قتالهم* * * حتّى حبوا مهري بأشقر مزبد
و عرفت أني إن أقاتل واحدا* * * أقتل و لا ينكل عدوّي مشهدي
فصددتّ عنهم و الأحبّة فيهم* * * طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
و كان الأصمعي يقول: هذا أحسن ما قيل في الاعتذار عن الفرار. و كان خلف الأحمر يقول: أحسن ما قيل في ذلك أبيات هبيرة بن أبي وهب المخزوميّ:
لعمرك ما ولّيت ظهري محمّدا* * * و أصحابه جبنا و لا خيفة القتل
و لكنّني قلّبت أمري فلم أجد* * * لسيفي مساغا إن ضربت و لا نبلي
وقفت فلمّا خفت ضيعة موقفي* * * رجعت لعود كالهزبر أبي الشّبل