سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٠ - ذكر إظهار المنافقين و اليهود الشماتة و السرور بما حصل للمسلمين
و العشاء، و النّاس في المسجد يوقدون النيران، يتكمّدون بها من الجراح.
و أذّن بلال العشاء حتى غاب الشّفق الأحمر، فلم يخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه: الصّلاة يا رسول اللّه، فهبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من نومه و خرج، فإذا هو أخفّ في مشيته منه حين دخل،
و سمع البكاء، فقال: «ما هذا؟» فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة، فقال: «رضي اللّه عنكنّ و عن أولادكنّ»، و أمر أن تردّ النّساء إلى منازلهنّ.
و ذكر ابن هشام أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) خرج عليهنّ، و هنّ على باب المسجد يبكين على حمزة فقال: «ارجعن رحمكنّ اللّه، و لقد واسيتنّ، رحم اللّه الأنصار، فإن المواساة فيهم ما علمت قديمة»،
فرجعن بليل مع رجالهنّ.
و روى أبو يعلى برجال الصحيح عن ابن عمر، و عن أنس، و الإمام أحمد، و ابن ماجة بسند صحيح، عن ابن عمر، و الطبرانيّ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهم: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، لمّا رجع من أحد سمع نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فبلغ النساء، ذلك، فجئن فبكين على حمزة، فانتبه من الليل فسمعهنّ و هن يبكين، فقال:
ويحهنّ ما زلن يبكين منذ الليلة. مروهنّ ليرجعن و لا يبكين على هالك بعد اليوم» [١].
و صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) العشاء، ثم رجع إلى بيته و قد صفّ له الرّجال ما بين بيته إلى مصلّاه يمشي وحده حتى دخل، و باتت وجوه الأوس و الخزرج على بابه في المسجد يحرسونه، فرقا من قريش أن تكرّ.
ذكر إظهار المنافقين و اليهود الشماتة و السرور بما حصل للمسلمين
و لما حصل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه ما حصل جعل عبد الله بن أبيّ ابن سلول و المنافقون يشمتون و يسرّون بما أصاب المسلمين، و يظهرون أقبح القول، فيقول ابن أبيّ لابنه عبد الله و هو جريح قد بات يكوي الجراحة بالنار: ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي، عصاني محمد و أطاع الولدان، و اللّه لكأني كنت أنظر إلى هذا. فقال ابنه: الذي صنع اللّه تعالى لرسوله و للمسلمين خير. و أظهر اليهود القول السّيّئ، فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبيّ قطّ، أصيب في بدنه، و أصيب في أصحابه. و جعل المنافقون يخذّلون عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أصحابه، و يأمرونهم بالتفرّق عنه و يقولون: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل.
و سمع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ذلك في أماكن، فمشى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ليستأذنه
[١] أخرجه ابن ماجة (١٥٩١) و أحمد في المسند ٢/ ٤٠- ٨٤ و البيهقي في السنن ٤/ ٧٠ و الحاكم ١/ ٣٨١ و الطبراني في الكبير ٣/ ١٥٩ و ابن سعد في الطبقات ٢/ ١/ ٣١ و ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٤ و عبد الرزاق في المصنف (٦٦٩٤).