سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٣ - تنبيهات
هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ يتعلق بقوله: وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ [آل عمران ١٢٣] لأن السّياق يدل على ذلك، فإنه سبحانه و تعالى قال: وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ إلى أن قال: وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ أي هذا الإمداد إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ [آل عمران ١٢٦] قالوا: فلمّا استغاثوا أَمدَّهم بألف، ثم أمدّهم بتمام خمسة آلاف لمّا صبروا و اتّقوا، و كان هذا التّدريج و متابعة الإمداد أحسن موقعا، و أقوى لنفوسهم و أسرّ لها من أن تأتي دفعة، و هو بمنزلة متابعة الوحي و نزوله مرّة بعد مرّة، فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية و بين قوله تعالى في قصة بدر: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال ٩] إلى آخر الآية؟
فالجواب: أن التّنصيص على الألف هنا لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها، لقوله: مردفين، يعني بردفهم غيرهم، و يتبعهم ألوف أخر مثلهم، و هذا السّياق شبيه بالسيّاق في سورة آل عمران، فالظاهر أنَّ ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أنّ قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، و قالت شرذمة: هذا الوعد بالإمداد بالثلاثة و بالخمسة كان يوم أحد، و كان إمدادا معلّقا على شرط، و هو التّقوى و مصابرة عدوّهم فلم يصبروا، بل فرّوا، فلما فات شرطه فات الإمداد فلم يمدّوا بملك واحد، و القصة في سياق أحد، و إنما أدخل ذكر بدر اعتراضا في آيتها فإنه قال:
وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران ١٢١، ١٢٢] ثم قال: وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فذكّر هم نعمته عليهم لمّا نصرهم ببدر و هم أذلّة، ثم عاد إلى قصة أحد و أخبر عن قول رسوله أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ثم وعدهم إن صبروا و اتّقوا أن يمدّهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، و الإمداد الذي ببدر من قوله تعالى هذا: بِخَمْسَةِ آلافٍ و إمداد بدر بألف، و هذا معلّق على شرط و ذاك مطلق، و القصة في سورة آل عمران هي قصّة أحد مستوفاة مطوّلة، و بدر ذكرت فيها اعتراضا، و القصّة في سورة الأنفال توضّح هذا.
قال الحافظ: و يؤيّد ما ذهب إليه الجمهور ما رواه ابن أبي شيبة و ابن جرير و ابن أبي حاتم بسند صحيح عن الشّعبيّ أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربيّ مدّ المشركين فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل اللّه تعالى: أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ الآية، فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمدّ كرز المشركين و لم يمدّ المسلمون. و قال في موضع آخر: هذا- أي القول الأول- هو المعتمد.