سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٠ - ذكر إرسال قريش في فداء الأسارى
الذي أسره مالك بن الدّخشم أحد [بني نبهان] بن عوف فقال: مالك:
أسرت سهيلا فلم أبتغ ب* * * ه غيره من جميع الأمم
و خندف تعلم أنّ الفتى* * * سهيلا فتاها إذا يظلم
ضربت بذي الشّفر حتّى انثنى* * * و أكرهت نفسي على ذي العلم
و كان سهيل أعلم من شفته السّفلى، فلما قاولهم فيه مكرز و انتهى إلى رضاهم قالوا:
هات الذي لنا، قال: اجعلوا رجلي مكان رجله و خلّوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائكم، فخلّوا سبيل سهيل، و حبسوا مكرزا، و كان سهيل قد قام في قريش خطيبا عند ما استنفرهم أبو سفيان للعير كما تقدم،
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه دعني أنزع ثنيّتي سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا أمثّل به فيمثّل اللّه بي و إن كنت نبيّا، و إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمّه».
و كان عمرو بن أبي سفيان بن حرب أسيرا في يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من أسرى بدر، أسره عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فقيل لأبي سفيان: افد عمرا ابنك، قال: أ يجمع عليّ دمي و مالي، قتلوا حنظلة و أفدي عمرا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. فبينا هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذ خرج سعد بن النعمان بن أكّال أخو بني عمرو بن عوف، ثم أحد بني معاوية معتمرا و معه مريّة له، و كان شيخا مسلما في غنم له بالنّقيع، فخرج من هناك معتمرا و لا يخشى الذي صنع به، لم يظن أنه يحبس بمكة، إنما جاء معتمرا، و قد كان عهد أن قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجّا أو معتمرا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة، فحبسه بابنه عمرو، ثم قال أبو سفيان:
أرهط ابن أكّال أجيبوا دعاءه* * * تعاقدتم لا تسلموا السّيّد الكهلا
فإنّ بني عمرو لئام أذلّة* * * لئن لم يفكّوا عن أسيرهم الكبلا
فأجابه حسان بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه:
لو كان سعد يوم مكّة مطلقا* * * لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
بعضب حسام أو بصفراء نبعة* * * تحنّ إذا ما أنبضت تحفز النّبلا
و مشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبروا خبره، و سألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان، فيفكّوا به صاحبهم، ففعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلّى سبيل سعد.
و كان في الأسارى أبو العاص بن الربيع ختن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و زوج ابنته زينب، أسره