سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩ - الباب الثاني اختلاف الناس في عدد المغازي الذي غزا فيها النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة، و في كم قاتل فيها
و روى مسلم عن بريدة بن الحصيب [١] رضي اللّه تعالى عنه قال: قاتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في ثمان غزوات قال النّوويّ: لعل بريدة أسقط غزوة الفتح و يكون مذهبه أنها فتحت صلحا- كما قال الشافعيّ و موافقوه- قلت: و التوجيه السابق أقعد. قال الحافظ أبو العباس الحرانيّ (رحمه اللّه) في الردّ على ابن المطهر الرافض: لا يفهم من قولهم أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قاتل في كذا و كذا أنه قاتل بنفسه كما فهمه بعض الطلبة ممن لا اطلاع له على أحواله (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لا يعلم أنه قاتل بنفسه في غزوة إلا في أحد فقط. قال: و لا يعلم أنه ضرب أحدا بيده إلا أبيّ بن خلف، ضربه بحربة في يده. انتهى.
قلت: و على ما ذكره يكون المراد بقولهم: قاتل في كذا و كذا أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) وقع بينه و بين عدوّه في هذه الغزوات قتال قاتلت فيها جيوشه بحضرته (صلّى اللّه عليه و سلم)، بخلاف بقيّة الغزوات، فإنه لم يقع فيها قتال أصلا، لكن نقل الحافظ في الفتح عن ابن عقبة أنه قال: قاتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه في ثمان غزوات، و راجعت نسخة صحيحة في مغازي ابن عقبة و نصّه: ذكر مغازي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) التي قاتل فيها، قاتل في بدر إلى آخر ما ذكره ثم قال: و غزا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) اثنتي عشرة غزوة لم يكن فيها قتال. انتهى.
و لم يذكر فيها أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قاتل بنفسه، فكأنها في بعض النسخ. و سيأتي في غزوة أحد أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رمى بقوسه حتى صارت شظايا، و أنه أعطى ابنته فاطمة رضي اللّه عنها يوم أحد سيفه فقال: اغسلي دمه عنه، و في حديث .... كنا إذا التقينا، كتيبة أو جيشا، أول من يضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، رواه ...
و الغزوات الكبار الأمهّات سبع: بدر، و أحد، و الخندق، و خيبر، و الفتح، و حنين، و تبوك.
و في شأن هذه الغزوات نزل القرآن، ففي بدر كثير من سورة الأنفال، و في أحد آخر آل عمران من قوله تعالى: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران ١٢١] إلى قبيل آخرها بيسير. و في قصة الخندق و قريظة صدر سورة الأحزاب، و في بني النّضير سورة الحشر. و في قصة الحديبية و خيبر سورة الفتح، و أشير فيها إلى الفتح، و ذكر الفتح في سورة النّصر، و تبوك في سورة براءة. و جرح منها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في غزوة أحد فقط، و قاتلت معه الملائكة منها في بدر و حنين و أحد على خلاف في الثالثة يأتي تحقيقه في غزوتها. و نزلت الملائكة يوم الخندق فزلزلوا المشركين و هزموهم. و رمى بالحصباء في وجوه المشركين
[١] بريدة بن الحصيب بن عبد اللّه بن الحارث الأسلمي، له كنى و سكن المدينة ثم البصرة ثم مرو، له مائة و أربعة و ستون حديثا. اتفقا على حديث و انفرد (خ) بحديثين و (م) بأحد عشر، روى عنه ابنه عبد اللّه و أبو المليح عامر. مات بمرو سنة اثنتين أو ثلاث و ستين. و هو آخر من مات بخراسان من الصحابة. [الخلاصة ١/ ١٢١].