سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٩ - ذكر إرسال قريش في فداء الأسارى
كان أهل مكة يكتبون و أهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة، يعلّمهم فإذا حذقوا فهم فداؤه، و كان زيد بن ثابت ممن علّم.
و روى أبو داود، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة، و ادّعى العبّاس أنه لا مال عنده، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «فأين المال الذي دفنته أنت و أمّ الفضل، و قلت لها: إن أصبت في سفري هذا لبنيّ: الفضل، و عبد الله، و قثم؟»
فقال: و اللّه إنّي لأعلم أنك رسول اللّه، إن هذا الشي ما علمه إلّا أنا و أمّ الفضل.
و روى البيهقيّ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السّدّي، قال: كان فداء العبّاس، و عقيل ابن أخيه، و نوفل، كل رجل أربعمائة دينار.
قال ابن إسحاق: و كان أكثر الأسارى فداء يوم بدر فداء العبّاس، فدى نفسه بمائة أوقية من ذهب.
روى ابن سعد من طريق إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن أبيه قال: لما أسر نوفل يوم بدر قال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «افد نفسك برماحك التي بجدّة»،
فقال:
و اللّه ما علم أحد أنّ لي بجدّة بعد اللّه غيري، أشهد أنّك رسول اللّه، ففدى نفسه بها، و كانت ألف رمح [١].
روى البخاريّ و البيهقيّ، عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه: أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقالوا: يا رسول اللّه: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، قال: «لا و اللّه لا تذرون منه درهما»، قال: و جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فداء الرجل أربعة آلاف إلى ألفين إلى ألف و منهم من منّ عليه لأنه لا مال له [٢].
قال ابن إسحاق: و كان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السّهميّ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إنّ له بمكة ابنا كيّسا تاجرا ذا مال، و كأنكم به قد جاءكم في طلب فداء أبيه»،
فلما قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسراكم، لا يأرب عليكم محمد و أصحابه. قال المطّلب بن أبي وداعة- و أسلم يوم الفتح-: نعم، صدقتم لا تعجلوا، و انسلّ من الليل فقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به فكان أول أسير فدي، ثم بعثت قريش في فداء أسراها، فقدم جبير بن مطعم- و أسلم بعد ذلك- في فداء الأسرى، و قدم مكرز- بكسر الميم و يجوز الفتح أيضا و بسكون الكاف و فتح الراء- ابن حفص في فداء سهيل بن عمرو، و كان
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ١/ ٣١.
[٢] أخرجه البخاري ٧/ ٣٧٣ (٤٠١٨).