سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧ - ذكر رمي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الكفار بالحصباء
قال أمية: يا أمّ صفوان جهّزيني، قالت: يا أبا صفوان، أنسيت ما قال لك أخوك اليثربيّ؟ قال:
لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا. فلما خرج أخذ لا يترك منزلا إلا عقل بعيره، فلم يزل كذلك حتى قتله اللّه ببدر.
و روى البخاريّ و ابن إسحاق و اللفظ له عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه، قال:
كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة، و كان اسمي عبد عمرو، فتسمّيت حين أسلمت عبد الرحمن، فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سمّاك به أبوك؟
فأقول: نعم، فيقول: إني لا أعرف الرحمن فاجعل بيني و بينك شيئا أدعوك به، أمّا أنت فلا تجيبني باسمك الأول، و أما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: و كان إذا دعاني عبد عمرو لم أجبه. قال: فقلت له: يا أبا عليّ اجعل بيني و بينك ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، قلت: نعم، قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله فأجيبه، فأتحدث معه، فلما هاجرت إلى المدينة كاتبته ليحفظني في ضائقتي، و أحفظه في ضائقته بالمدينة، فلما كان يوم بدر خرجت لأحرزه من القتل، فوجدته مع ابنه عليّ بن أمية، أخذ بيده، و معي أدراع [قد استلبتها فأنا أحملها]، فلما رآني قال: يا عبد عمرو فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، فقلت: نعم. قال: هل لك فيّ، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قلت: نعم باللّه إذا، فطرحت الأدراع من يدي فأخذت بيده و يد ابنه و هو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ، أما لكم حاجة في اللّبن، ثم خرجت أمشي بهما، فقال لي ابنه: يا عبد الإله، من الرجل منكم المعلّم بريشة نعامة في صدره، قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال عبد الرحمن: فو اللّه إني لأقودهما إذ رآه بلال معي. و كان هو الذي يعذّب بلالا بمكة حتى يترك الإسلام فلما رآه قال:
رأس الكفر أميّة بن خلف لا نجوت إن نجا، ثم نادى: يا معشر الأنصار، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا أطلقت لهم ابنه لأشغلهم به، و كان أمية رجلا ثقيلا، فقلت: ابرك، فبرك، فألقيت نفسي عليه لأمنعه، فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل الدّسكرة- و في لفظ المسكة- و أنا أذبّ عنه، فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، و صاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، فقلت: انج بنفسك و لا نجاء بك، فو اللّه ما أغني عنك شيئا، قال: فهبروه بأسيافهم و أصاب أحدهم ظهر رجلي بسيفه، فكان عبد الرحمن يقول:
يرحم اللّه بلالا، ذهبت أدراعي، و فجعني بأسيريّ.
ذكر رمي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الكفار بالحصباء
قال اللّه سبحانه و تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال ١٧]
قال محمد بن عمر الأسلميّ: و أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخذ من الحصباء كفّا، فرمى به المشركين،