سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٥ - تنبيهات
و ردّه، و ليس بمنكر عندي، و قال الشيخ (رحمه اللّه) في شرح سنن أبي داود: إذا فسّرنا الحديث بأنّ الروح تتشكّل طائرا، فالأشبه أنّ المقصود بذلك القدرة على الطيران فقط، لا في صورة الخلقة، لأن شكل الآدميّ أفضل الأشكال، قلت: و صرّح بذلك ابن برجان في الإرشاد.
و يؤيّده كلام السّهيلي الآتي في غزوة مؤتة، و يشهد له حديث ابن عباس، أي الذي ذكرته آخر التنبيه الذي قبل هذا. انتهى كلام أبي القاسم (رحمه اللّه تعالى).
و قال ابن كثير: كان الشهداء أقساما، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، و منهم من يكون على هذا النهر، أي بارق بباب الجنة، كما سبق في حديث ابن عباس، و قد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر- أي بارق- فيجتمعون هناك و يغدى عليهم برزقهم و يراح.
و قال القاضي ناصر الدين البيضاويّ (رحمه اللّه تعالى) في شرح المصابيح: قوله: أرواحهم في أجواف طير خضر، أي يخلق اللّه تعالى لأرواحهم، بعد ما فارقت أجسادها، هياكل على تلك الهيئة تتعلق بها و تكون خلفا عن أبدانهم، فيتوسّلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللّذّات الحسّيّة. و اطّلاع اللّه تعالى عليهم، و استفهامه عمّا يشتهون مرّة بعد أخرى مجاز عن تلطفه بهم، و تضاعف تفضّله و إنّما قال: «اطّلاعه»، ليدلّ على أنه ليس من جنس اطّلاعنا على الأشياء، و عدّاه بإلى، و حقه أن يعدّى بعلى، لتضمّنه معنى الانتهاء، و المراد بقوله: «فلما رأوا أنهم لن يتركوا ... إلخ» أنه لا يبقى لهم متمنّى و لا مطلوب أصلا، غير أن يرجعوا إلى الدنيا فيستشهدوا ثانيا، لما رأوا بسببه من الشرف و الكرامة.
و أوّل بعضهم رواية في جوف طير خضر بأن جعل «في» بمعنى «على»، و المعنى أرواحهم على جوف خضر كقوله تعالى: وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه ٧١] أي على جذوع النخل، و جائز أن يسمى الطير جوفا، إذ هو محيط به و مشتمل عليه. قاله عبد الحق. قال القرطبيّ: و هو حسن جدا. و قال غيره: لا مانع من أن تكون في الأجواف حقيقة، و يوسعها اللّه تعالى حتى تكون أوسع من الفضاء.
و قال القاضي عياض (رحمه اللّه): ليس للأقيسة و العقول في هذا حكم، فإذا أراد اللّه تبارك و تعالى أن يجعل الروح إذا خرجت من المؤمن أو الشهيد في قناديل أو جوف طير، أو حيث شاء كان ذلك وقع و لم يبعد، لا سيّما القول بأنّ الأرواح أجسام، فغير مستحيل أن يتصوّر جزء من الإنسان طائرا، أو يجعل في جوف طير في قناديل تحت العرش، و قد تعلق بهذا الحديث و أمثاله بعض القائلين بالتناسخ، و انتقال الأرواح و تنعيمها في الصور الحسان المرهفة، و تعذيبها في الصور القبيحة. و زعموا أنّ هذا هو الثواب و العقاب، و هذا باطل مردود، لإبطاله ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر و النشر و الجنة و النار، و لهذا قال في حديث آخر:
«فيرجعه اللّه تعالى إلى جسده يوم بعثه الأجساد».