سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١١ - الباب الرابع عشر في غزوة حمراء الأسد
لقد عزّ علينا ما أصابك في نفسك و ما أصابك في أصحابك، و لوددنا أن اللّه تعالى أعلى كعبك، و أنّ المصيبة كانت بغيرك.
ثم مضى معبد و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بحمراء الأسد، حتى أتى أبا سفيان بن حرب و من معه الرّوحاء، و قد أجمعوا الرّجعة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قالوا: أصبنا خير أصحابه و قادتهم و أشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرّنّ على بقيّتهم فلنفرغنّ منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: هذا معبد و عنده الخبر: ما وراءك يا معبد؟ قال: تركت محمدا و أصحابه قد خرج يطلبكم في جمع لم أر مثله قطّ، يتحرّقون عليكم تحرّقا، و قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه بالأمس، من الأوس و الخزرج، و تعاهدوا ألّا يرجعوا حتى يلحقوكم، فيثأروا منكم، و غضبوا لقومهم غضبا شديدا، و ندموا على ما فعلوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قطّ، قال:
ويلك! ما تقول! قال: و اللّه ما أرى أن ترحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فو اللّه لقد أجمعنا الكّرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، و و اللّه لقد حملني على ما رأيت أن قلت فيهم أبياتا من شعر، قال: و ما قلت؟ قال: قلت:
كادت تهدّ من الأصوات راحلتي* * * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردى بأسد كرام لا تنابلة* * * عند اللّقاء و لا ميل معازيل
فظلت عدوا أظنّ الأرض مائلة* * * لمّا سموا برئيس غير مخذول
فقلت: ويل ابن حرب من لقائكم* * * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل
إنّي نذير لأهل البسل ضاحية* * * لكلّ ذي إربة منهم و معقول
من جيش أحمد لا وخش تنابلة* * * و ليس يوصف ما أنذرت بالقيل
فثنى ذلك، مع كلام صفوان، أبا سفيان و من معه، و فتّ أكبادهم، فانصرفوا سراعا خائفين من الطّلب.
و مرّ ركب من عبد القيس بأبي سفيان فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال:
و لم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلّغون عنّي محمدا رسالة أرسلكم بها إليه و أوقر لكم أباعركم زبيبا غدا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم، قال: إذا وافيتم محمدا فأخبروه أنّا قد أجمعنا المسير إليه و إلى أصحابه لنستأصل بقيّتهم و أنّا في آثاركم. فانطلق أبو سفيان، و قدم الراكب برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان و أصحابه،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران ١٧٣].
و أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في وجهه ذلك قبل رجوعه إلى المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية. و كان لجأ إلى عثمان بن عفّان، فاستأمن له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأمّنه على إن