سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٥ - ذكر منام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
و روى الطبرانيّ و البزّار، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: لمّا نزل أبو سفيان و أصحابه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأصحابه: إنّي رأيت في المنام سيفي ذا الفقار انكسر، و هي مصيبة، و رأيت بقرا تذبح، و هي مصيبة، و رأيت عليّ درعا و هي مدينتكم لا يصلون إليها، إن شاء اللّه تعالى [١].
و روى البيهقي عن ابن شهاب قال: يقول رجال: كان الذي رأى بسيفه الذي أصاب وجهه.
قال ابن عتبة و ابن إسحاق و ابن سعد و غيرهم: رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) هذه الرّؤيا ليلة الجمعة،
فلما أصبح جاء أصحابه، فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه، ثم ذكر الرؤيا لهم و قال: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة و نجعل النساء و الذّرّيّة في الآطام، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام، و إن دخلوا علينا قاتلناهم في الأزقّة فنحن أعلم بها منهم، و رموا من فوق الصّياصي و الآطام،
و كانوا قد شبّكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهي كالحصن، و كان هذا الذي ذكره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رأي الأكابر من المهاجرين و الأنصار، و كان عبد الله بن أبيّ يرى رأي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال جماعة من المسلمين غالبهم أحداث لم يشهدوا بدرا، و طلبوا الشهادة و أحبوا لقاء العدوّ، و أكرمهم اللّه تعالى بالشهادة يوم أحد: يا رسول اللّه اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنّا جبنّا عنهم، فقال عبد الله بن أبيّ: يا رسول اللّه أقم بالمدينة و لا تخرج، فو اللّه ما خرجنا منها إلى عدوّ لنا قطّ إلا أصاب منّا، و لا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول اللّه، فإن أقاموا بشرّ مجلس، و إن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، و رماهم الصّبيان بالحجارة من فوقهم، و إن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. فقال حمزة بن عبد المطلب، و سعد بن عبادة، و النعمان بن مالك في طائفة من الأنصار: إنّا نخشى يا رسول اللّه أن يظنّ عدّونا أنّا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، و قد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل، فظفّرك اللّه تعالى عليهم، و نحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم و ندعو اللّه تعالى به، فساقه اللّه تعالى إلينا في ساحتنا، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما يرى من إلحاحهم كاره، و قد لبسوا السّلاح.
و قال إياس بن أوس بن عتيك، نحن بنو عبد الأشهل، إنا لنرجو أن نكون البقر المذبّح.
و قال غيره: هي إحدى الحسنيين: الظّفر أو الشهادة، و اللّه لا تطمع العرب في أن تدخل علينا منازلنا. و قال حمزة: و الذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي
[١] أخرجه الطبراني في الكبير ١١/ ٣٩٤ و ذكره الهيثمي في المجمع ٦/ ١١٠ و قال: فيه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان و هو متروك.