سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٩ - ذكر الآيات التي وقعت لما أصابتهم المجاعة في حفر الخندق
أن جابرا رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم الخندق عاصبا بطنه بحجر من الجوع و أنهم لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا. قال جابر: فاستأذنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المنزل فأذن لي، فذهبت فقلت لامرأتي: إنّي رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خمصا شديدا، ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟
قالت: عندي صاع من شعير و عناق، فأخرجت إناء فيه صاع من شعير، و ذبحت العناق، و طحنت الشعير، و جعلنا اللّحم في البرمة، فلما انكسر العجين و كادت البرمة أن تنضج و أمسينا، و أراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الانصراف- قال: و كنا نعمل نهارا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلنا- قالت لي: لا تفضحني برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و من معه. فأتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فساررته فقلت: طعيّم لي، فقم أنت يا رسول اللّه و رجل أو رجلان. فشبّك أصابعه في أصابعي و قال:
كم هو؟ فذكرت له، فقال: كثير طيّب لا تنزلنّ برمتكم و لا تخبزنّ عجينكم حتى أجيء، و صاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سورا فحيّ، هلا بكم»، و صار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقدم الناس، و لقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا اللّه تبارك و تعالى، و قلت:
جاء الخلق، و اللّه إنها للفضيحة على صاع من شعير و عناق، فدخلت على امرأتي فقلت:
ويحك! جاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بالمهاجرين و الأنصار و من معهم، فقالت: بك و بك، و في رواية: هل سألك؟ قلت: نعم. و في رواية: قالت: أنت دعوتهم أو هو؟ قلت: بل هو دعاهم. قالت: دعهم، اللّه و رسوله أعلم، نحن قد أخبرناه بما عندنا. فكشفت عنّي. فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قال:
«ادخلوا عشرة عشرة، و لا تضاغطوا»، فأخرجت له عجينا فبصق فيه و بارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها و بارك، فقال لنا: «اخبزوا و اغرفوا و غطّوا البرمة، ثم أخرجوا الخبز من التّنّور، و غطّوا الخبز»، ففعلنا، فجعلنا نغرف و يغطّي البرمة، ثم يفتحها فما نراها نقصت شيئا، و يخرج الخبز من التّنّور، ثم يغطّيه فما نراه نقص شيئا، فجعل يكسر الخبز و يجعل عليه اللحم، و يقرّب إلى أصحابه و يقول لهم: «كلوا». فإذا شبع قوم قاموا، ثم دعا غيرهم حتى أكلوا و هم ألف، و انحرفوا و إن برمتنا لتغطّ كما هي، و إنّ عجيننا ليخبز كما هو، فقال: «كلوا و اهدوا، فإنّ الناس أصابتهم مجاعة شديدة». فلم نزل نأكل و نهدي يومنا ذلك أجمع، فلّما خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ذهب ذلك [١].
و روى ابن إسحاق، و أبو نعيم عن أبنة لبشير- بفتح الموحّدة- ابن سعد أخت النعمان ابن بشير رضي اللّه عنه، قالت: بعثتني أمّي بجفنة تمر في طرف ثوبي إلى أبي و خالي عبد الله بن رواحة، و هم يحفرون في الخندق، فناداني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأتيته فأخذ التّمر منّي في كفّه فما ملأها، و بسط ثوبا فنثره عليه فتساقط- و في لفظ فتبدّد- في جوانبه، ثم قال
[١] أخرجه البخاري ٧/ ٤٥٦ (٤١٠١).