سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٨ - ذكر اختلاف الصحابة رضي اللّه عنهم في الفيء
عنقك، فقال: يا أبا محمد إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه.
قال: فجيء بالأسرى و عليهم شقران مولى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
ذكر اختلاف الصحابة رضي اللّه عنهم في الفيء
روى سعيد بن منصور و الإمام أحمد و ابن المنذر و ابن حبّان و الحاكم و البيهقي في السنن عن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه: «فالتقى الناس فهزم اللّه تعالى العدوّ فانطلقت طائفة في آثارهم يأسرون و يقتلون، و أكبّت طائفة على الفيء يحوزونه و يجمعونه، و أحدقت طائفة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خوفا من أن يصيب العدوّ غرّة، حتى إذا كان الليل وافي النّاس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها و جمعناها فليس لأحد فيها نصيب، و قال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم بأحقّ بها منا، نحن نفينا عنها العدوّ و هزمناهم. و قال الذين أحدقوا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): لستم بأحق بها منّا، نحن أحدقنا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و خفنا أن يصيب العدوّ منه غرّة، فاشتغلنا به. فنزلت: يَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ الْأَنْفالِ: الغنائم، لمن هي؟ قُلِ لهم: الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ يجعلانها حيث شاءا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي حقيقة ما بينكم بالمودّة و ترك النزاع وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال ١] حقّا [١].
و روى ابن أبي شيبة و أبو داود و النّسائيّ و ابن حبّان و عبد الرزّاق في المصنف، و عبد بن حميد، و ابن عائذ، و ابن مردويه، و ابن عساكر، عن ابن عساكر، ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: لما كان يوم بدر قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): «من قتل قتيلا فله كذا و كذا، و من أسر أسيرا فله كذا و كذا». و لفظ ابن عائذ: «من قتل قتيلا فله سلبه. و من أسر أسيرا فله سلبه».
فأمّا المشيخة فثبتوا تحت الرّايات. و أما الشّبّان فسارعوا إلى القتل و الغنائم، فقال المشيخة للشبان: أشركونا معكم، فإنّا كنّا لكم رداء و لو كان منكم شيء للجأتم إلينا. فاختصموا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و جاء أبو اليسر بأسيرين فقال: يا رسول اللّه، إنك قد وعدتنا، فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول اللّه إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، و إنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الآخرة، و لا جبن عن العدوّ، و لا ضنّ بالحياة، أن نصنع ما صنع إخواننا، و كلّنا رأيناك قد أفردت فكرهنا أن تكون بمضيعة، و إنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من ورائك. فتشاجروا فنزلت: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الآية، فنزعه اللّه تعالى من أيديهم، فجعله إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقسمه (صلّى اللّه عليه و سلم) بين المسلمين، كما سيأتي على بواء أي سواء، فكان ذلك تقوى للّه تعالى و طاعته، و طاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و إصلاح ذات البين.
[١] أخرجه أبو داود (٢٧٣٨) و الطبراني ١٢/ ١٢٩ و عبد الرزاق في المصنف (٩٤٨٣) و أبو نعيم في الحلية ٧/ ١٠٢.