سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩ - ذكر دعاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم بدر و نزول الملائكة لنصره
و روى البخاريّ و البيهقيّ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال يوم بدر: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه و عليه أداة الحرب» [١].
و روى ابن إسحاق و ابن جرير عن ابن عباس عن رجل من بني غفار قال: حضرت أنا و ابن عمّ لي بدرا و نحن على شركنا فإنا لفي جبل ننظر الوقعة على من تكون الدّبرة فننتهب، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل سمعنا فيها حمحمة و سمعنا فيها فارسا يقول: أقدم حيزوم، فأما صاحبي فانكشف قناع عليه، فمات، و أما أنا فكدت أهلك، ثم انتعشت بعد ذلك.
و روى محمد بن عمر الأسلميّ، عن أبي رهم الغفاريّ [٢]، عن ابن عمّ له قال: بينا أنا و ابن عمّ على ماء ببدر فلما رأينا قلّة من مع محمد و كثرة قريش قلنا: إذا التقت الفئتان عمدنا إلى عسكر محمد و أصحابه فانطلقنا نحو المجنّبة اليسرى من أصحابه، و نحن نقول: هؤلاء ربع قريش، فبينا نحن نمشي في الميسرة إذ جاءت سحابة فغشيتنا فرفعنا أبصارنا إليها، فسمعنا أصوات الرجال و السلاح، و سمعنا رجلا يقول لفرسه: أقدم حيزوم، و سمعناهم يقولون: رويدا تتامّ أمراكم. فنزلوا على ميمنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم جاءت أخرى مثل ذلك، فكانت مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه، فإذا هم على الضّعف من قريش، فمات ابن عمّي، و أما أنا فتماسكت، و أخبرت النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أسلمت.
و روى مسلم و ابن مردويه، عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتدّ في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسّوط فوقه، و صوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، و شقّ وجهه، كضربة السوط فاخضرّ ذلك الموضع أجمع، فجاء الأنصاريّ فحدّث بذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال:
«صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة» [٣].
و روى ابن إسحاق و إسحاق بن راهويه، عن ابن أسيد الساعديّ أنه قال بعد ما عمي: لو كنت معكم ببدر الآن و معي بصري لأخبرتكم بالشّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشكّ فيه و لا أتمارى.
[١] أخرجه البخاري ٧/ ٣٦٣ (٣٩٩٥) و البيهقي في الدلائل ٣/ ٥٤ و الطبراني في الكبير ١١/ ٣٤٣.
[٢] (أبو رهم) الغفاري اسمه كلثوم بن حصين بن خالد بن العسعس بن زيد بن العميس بن أحمس بن الغفار و قيل ابن حصين بن عبيد بن خلف بن حماس بن غفار الغفاري مشهور باسمه و كنيته ... كان ممن بايع تحت الشجرة و استخلفه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على المدينة في غزوة الفتح. [الإصابة ٧/ ٦٨].
[٣] جزء من حديث أخرجه مسلم ٣/ ١٣٨٤ (٥٨- ١٧٦٣) و البيهقي في الدلائل ٣/ ٥٢.