سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - الباب الرابع عشر في غزوة حمراء الأسد
الباب الرابع عشر في غزوة حمراء الأسد
اختلفوا في سببها، فقال ابن إسحاق و متابعوه: إنما خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، مرهبا للعدوّ، و ليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة و أن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم.
و قال موسى بن عقبة، و محمد بن عمر الأسلميّ: السّبب أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بلغه أن أبا سفيان و أكثر من معه يريدون أن يرجعوا ليستأصلوا من بقي من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فحينئذ حثّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الناس على الخروج في طلب العدوّ.
و يؤيّد هذا ما رواه الفريابيّ و النّسائي و الطّبرانيّ بسند صحيح، عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم، و لا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا.
فسمع بذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فندب المسلمين، فانتدبوا. و ذكر الحديث.
قال محمد بن عمر: لمّا رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، من أحد، يوم السبت، باتت وجوه الأوس و الخزرج على بابه خوفا، من كرّة العدوّ، فلمّا طلع الفجر من يوم الأحد أذّن بلال، و جلس ينتظر خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأتى عبد الله بن عمرو بن عوف المزنيّ يطلب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلما خرج قام إليه و أخبره أنه أقبل من أهله، حتى إذا كان بملل [١] إذا قريش قد نزلوا، فسمع أبا سفيان و أصحابه يقولون: ما صنعتم شيئا، أصبتم شوكة القوم و حدّهم ثم تركتموهم و لم تبيدوهم، فقد بقي فيهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا نستأصل من بقي. و صفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم، و يقول: يا قوم، لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا و أخاف أن يجتمع عليكم من تخلّف من الخروج، فارجعوا و الدولة لكم، فإنّي لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أرشدهم صفوان و ما كان برشيد، و الذي نفسي بيده لقد سوّمت لهم الحجارة و لو رجعوا لكان كأمس الذّاهب».
و دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبا بكر و عمر رضي اللّه عنهما، فذكر لهما ما أخبره به المزنيّ، فقالا: يا رسول اللّه، اطلب العدوّ، و لا يقحمون على الذّرّيّة. فلما انصرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الصبح ندب الناس، و أمر بلالا أن ينادي: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يأمركم بطلب عدوّكم، و لا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس. و قال أسيد بن حضير- و به تسع جراحات و هو يريد أن يداويها لمّا سمع النّداء-: سمعا و طاعة للّه و رسوله، و لم يعرّج على دواء جرحه، و خرج من بني سلمة أربعون جريحا، بالطّفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحا، و بخراش بن الصّمّة عشر
[١] ملل: موضع في طريق بمكة بين الحرمين [انظر مراصد الاطلاع ٣/ ١٣٠٩].